: آخر تحديث

حكومات الوقواق

16
19
12

اعتاد طائر الوقواق أن يهاجر من بلاده إلى بلدان أخرى بعيدة عن موطنه لتضع إناثه بيوضها في أعشاش غيرها من الطيور، ليعتاش فرخها بعد تفقيسه على غذاء طيرين آخرين بعد أن يكون قد قضى على أفراخهما، كونه ينمو بسرعة وحجمه أكبر وأكثر قوة؛ هذه باختصار شديد مواصفات هذا النوع من طفيليات الطيور، الذي استخدمته عنواناً لمقالتي في توصيف كثير من حكومات وأنظمة منطقتنا المبتلاة بالحكومات الطفيلية، التي تعتاش على استكانة شعوبها وتخلفها وأميتها الحضارية وحتى الأبجدية، فهي تنشأ في هكذا بيئات متقهقرة وموبوءة بشتى مخلفات الماضي وصفحات التاريخ الاجتماعي الأسود لمعظم مجتمعاتنا، خاصة ما يتعلق بالفهم المنحرف للعقائد الدينية والمذهبية، وتحويلها إلى خرافات وأساطير من نسج خيال أشخاص مرضى بشتى أنواع العقد النفسية والاجتماعية.

إقرأ أيضاً: من يُصلح الملح إذا فسد؟

زمر ومجموعات تسلطت في غفلة من الزمن وفي بيئات فكرية وثقافية قاحلة لتضع بيوضها السامة وأفكارها المنحرفة في بلدان احتضنت أولى حضارات البشرية، لكي تفقس جيلاً بعد جيل مجموعات مشوهة لا هم لها إلا السلطة والسحت الحرام، لتستمر مسيرة التقهقر والاستكانة والعبودية، تارة لدكتاتور أحمق مفترض وتارة لأفكار خرافية من تاريخ مشوه ومفصل على قياساتها وفهمها المسطح، وتارة لشيخ القبيلة وأخرى لفارس نرجسي إرهابي ممتلئ بالسحت الحرام والمرتزقة استطاع تحويل ما حوله إلى قطعان من العبيد، كما تفعل كثير من الميليشيات وزعمائها اليوم.

في شرقنا بجهاته الأربع ووسطه الملتهب أبداً تفقست تلك البيوض على شكل حكومات وبرلمانات طفيلية، لا همّ لها ولا غمّ إلا امتصاص أرزاق هذه البلدان وثرواتها، مستخدمة كل مؤسسات الدولة التي خرجت من تحت عباءتها على مضاعفة تجهيل مجتمعاتها وتفقيرها، وزيادة استكانتها العبودية، حتى إن ظهر من يعارضها أو يغير اتجاهات مجتمع قذفته بشتى الاتهامات وفبركت له قصصاً وروايات، حتى اعتقد القطيع أن لا عدو له ولربه إلا هذا الذي يحاول الخروج من عش تلك الطيور الطفيلية التي دمرت أعشاش الشعب ونهبت أرزاقه وفرص حياته في العيش الحر.

إقرأ أيضاً: التغيير الفوقي واستنساخ الأنظمة السابقة!

لا غرابة فيما يحصل، فقد تكالبت على أرض هذه المنطقة من العالم شتى الأقوام والأجناس، وهاجرت إليها قبائل متوحشة من شتى أنحاء الدنيا، واستوطنت على أديمها بعد أن اقترفت كبريات المذابح في مدنها وقراها، وحولت ما تبقى من سكانها الأصليين إلى أقوام مستعمَرة تحكمها بالحديد والنار والأرزاق، وبعد أن كانت هذه البلاد منشأ كبريات حضارات البشرية، غدت واحدة من أكثر بلدان العالم فشلاً وتخلفاً وفساداً، تحت ظلال تلك الاعشاش التي دُست فيها بيوض طائر الوقواق في مدن الشمس.

ترى هل تتقبل قوانين الطبيعة استبدال الأصيل بطير الوقواق الدخيل؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف