: آخر تحديث
تماشيًا مع الزمن المضطرب بفعل الأزمة

فنانة الصابون في مرسيليا تنحت الصحة في زمن الجائحة

10
10
12

مرسيليا: داخل مبنى صناعي لم يغيّره الزمن يضمّ أقدم معمل للصابون في مدينة مرسيليا بجنوب فرنسا، تملأ فريديريك نلبنديان دلاء بالصابون الساخن، وتغمس فيها قطعًا طويلةً من القماش لتنفيذ أحدث منحوتاتها.

منذ 30 عامًا، تعمل نلبنديان البالغة الرابعة والخمسين على نحت الصابون وتحويله قطعًا فنيّة، وهي من الفنانين النادرين الذين اختاروه مادّة أوليّة، مع الجص.

ووسط الجو الحار داخل المعمل، تقول الفنانة ذات الشعر الطويل المجعّد "لا يثير اهتمامي مطلقًا استخدام الصابون الذي يباع في المحال التجاريّة"، فالمهم بالنسبة إليها أن تعيش "العلاقة مع عمليّة التصنيع، ومع مهارة من زمن الأجداد".

حرفيون

على بعد أمتار قليلة، تُطهى مئات اللّترات من الصابون في مراجل ضخمة يستخدمها حرفيو الصابون في مرسيليا. وتفوح رائحة عطرة تمتزج فيها مادة كربونات الصوديوم بالزيوت النباتيّة من هذه المباني المشيّدة بالطوب والحديد والتي يعود تاريخها إلى عام 1865، وهي مصنّفة ضمن النصب التذكاريّة التاريخيّة.

ومن بعيد، تشارك مجموعات من السيّاح في جولات يرافقها فيها مرشدون للإطّلاع على هذا التراث الحي، من دون أن يخيّل إلى الزوّار أنّ فنانة تعمل وسط هذا الجهد الحرفي على إنجاز منحوتة عن الدواء الشافي بواسطة قطع القماش.

استمرار للمنحوتات الثلاث

ورأى الناقد الفني آلان أمييل الذي أنتج فيلمًا وثائقيًّا عن عمل نلبنديان أنّ "اختيار إلهة العلاج اليونانية التي كانت تُعتبر إلهة حامية، يتماشى مع الزمن المضطرب" القائم راهنًا بفعل الأزمة الصحيّة.

أما النحّاتة التي تدربت في فيلا أرسون في نيس (جنوب) وتزاول التدريس راهنًا في المدرسة البلديّة للفنون التشكيليّة في فيلا تيول، فقالت "أنّه استمرار للمنحوتات الثلاث" التي صنعَتها قبل ثلاثة أشهر "من ملاءات ومناشف مبلّلة بالصابون الأبيض".

لكن هذه النسخة الرابعة مختلفة قليلًا، وأكثر تنظيمًا، مع ميزات ذكوريّة أكثر يوحيها الصابون الأخضر الذي يولّد انطباعًا بأنها رجل من الصحراء. وهذه المرّة الأولى تستعيض الفنانة عن الصابون الأبيض بصابون مصنوع من ثفل الزيتون، وهو ما يتبقّى بعد استخراج الزيت. وينزلق هذا النوع كثيرًا ويتطلّب تاليًا حركات سريعة ويجف بسرعة، ممّا يضطر فريديريك نلبنديان إلى فرك قفّازاتها بانتظام، كطاهية تحاول إزالة العجين الفائض عن يديها.

و"تستخدم فريديريك الصابون كما لو كان عجينًا أو طينًا فخاريًّا أو سيراميك، فتنحته أو تطوّعه على شكل طيّات لتوفير نظرة جديدة إلى هذه المادة الأوّلية"، على ما تلاحظ مديرة التسويق فبي مصنع "فير آ شوفال" للصابون ستيفاني غيلبو.

قطعة فنّية

وتعود شراكة المصنع مع الفنانة إلى عام 2013، وغالبًا ما يقدّم المعمل المادة الخام إلى الفنّانة، وأحيانًا يوفر لها كتلًا كبيرةً، كما هي الحال بالنسبة لقطعتها الأخيرة التي تمثّل إلهة الصحة هيجيا، وهي منحوتة بمنشار في كتلة يبلغ ارتفاعها مترين وتزن طنًّا واحدًا.

ويساهم عمل النحّاتة في تحويل الصابون المخصّص بامتياز للإستخدام اليومي قطعة فنية تعيد الناس إلى علاقتهم بالنظافة، وخصوصًا في زمن كوفيد-19 والبحث عن حلول مضادة للبكتيريا ممّا أدّى أيضًا إلى زيادة مبيعات صابون مرسيليا.

وأبدت فريديريك نلبنديان تأثّرها بمجموعة"لو سافون" (الصابون) التي كتبها فرنسيس بونج وتناول فيها مفهوم الحمّام الفكري. ورأت الكاتبة أنّ "الإنسانيّة تفتقر أكثر فأكثر إلى التواضع والتسامح والمسافة والمسؤولية".

ولاحظت أنّها تحب هذه المادة الحيّة الناقصة "القريبة جدًّا من الإنسان". حتى أنّها تستخدمها على شكل ماء صابون أو رغوة في التصميمات.

ويحفظ الصابون في مستوى رطوبة معقول، وهو مقاوم للتلف. لكن إذا تمّ وضعه في الخارج أو على اتصال بالماء واليدين، يمكن أن يتسبّب ذلك بتغيير في شكل المنحوتات.

وتُعرض أعمال فريديريك نلبنديان في معرض إيفا فوتييه بمدينة نيس حتى نهاية شهر آب/ أغسطس. وطلب من الزوار غمس أيديهم في الماء للمس منحوتتها. ثم يجففون أيديهم بقطعة قماش بيضاء يعلقونها على جدران الرواق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد