: آخر تحديث
لم تعد المسألة بيانات وإدانات:

إسرائيل أمام اختبار العزلة الدبلوماسية والاقتصادية

5
5
4

لم تعد عزلة إسرائيل الدولية تقتصر على الإدانات المتكررة في الأمم المتحدة أو على تراجع صورتها في الرأي العام الدولي. خلال عام 2026 بدأت بعض المواقف السياسية تتحول إلى إجراءات عملية: قيود على تجارة منتجات المستوطنات، عقوبات تستهدف مستوطنين وجهات مرتبطة بالاستيطان، وإعادة نظر في بعض أشكال التعاون مع إسرائيل، بالتوازي مع اتساع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.

لكن وصف إسرائيل بأنها أصبحت "دولة معزولة" يظل غير دقيق إذا كان المقصود قطيعة دبلوماسية واقتصادية شاملة. فالاعتراف بفلسطين لا يعني قطع العلاقات مع إسرائيل، والعقوبات على مستوطنين لا تعني فرض عقوبات على الدولة الإسرائيلية، والقيود على منتجات المستوطنات لا تعني مقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي كله. وفي المقابل، فإن استمرار العلاقات مع إسرائيل لا يعني أنها بقيت على حالها. لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت إسرائيل قد دخلت بالفعل مرحلة العزلة الشاملة، بل ما إذا كان الضغط السياسي الدولي بدأ يتحول إلى كلفة دبلوماسية وتجارية واقتصادية مستدامة. والمعطيات حتى نهاية أيلول (سبتمبر) 2026 تشير إلى أن هذا التحول بدأ، لكنه لم يكتمل.

مشهد الأمم المتحدة: عزلة سياسية تتجاوز التصويت

في 24 أيلول (سبتمبر)، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشهدًا لافتًا عندما غادرت وفود دول عدة القاعة مع بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء خطابه. لم يكن ذلك قرارًا دبلوماسيًا أو إجراءً قانونيًا، لكنه كان مؤشرًا سياسيًا واضحًا على حجم الاعتراض الدولي على سياسات الحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك، ينبغي عدم تحويل هذا المشهد إلى دليل على قطيعة دبلوماسية. فالدول التي شارك ممثلوها في الانسحاب لم تقطع بالضرورة علاقاتها بإسرائيل، وبعضها يحتفظ معها بعلاقات سياسية وتجارية وأمنية واسعة. أهمية المشهد تكمن في مكان حدوثه: الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تتحول مواقف الدول إلى صورة علنية عن حجم التأييد أو الاعتراض. لكنه يظل، في جوهره، مؤشرًا على اتساع العزلة السياسية، لا إعلانًا عن عزلة دبلوماسية شاملة.

الاعتراف بفلسطين: تحول سياسي لا يعني القطيعة

يمثل اتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية أحد أبرز التحولات السياسية في المرحلة الحالية. ووفق تقرير أممي صدر في 24 أيلول (سبتمبر)، ارتفع عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين إلى 161 دولة. لكن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة. فهناك دول اعترفت بفلسطين وأبقت في الوقت نفسه على سفاراتها وعلاقاتها التجارية والسياسية مع إسرائيل. وهذا يعني أن الاعتراف بفلسطين أصبح، في عدد متزايد من الدول، مسارًا سياسيًا مستقلًا عن قرار استمرار العلاقات مع إسرائيل. الدلالة السياسية للرقم كبيرة، لكنه لا يعني أن 161 دولة فرضت القطيعة على إسرائيل. الاعتراف بفلسطين يعكس تغيرًا في الموقف من شكل التسوية السياسية ومستقبل الصراع، بينما خفض التمثيل الدبلوماسي أو قطع العلاقات يمثل تغييرًا مباشرًا في العلاقة الثنائية. وهنا يظهر الفرق بين العزلة السياسية والعزلة الدبلوماسية.

القطيعة الدبلوماسية: ما زالت محدودة

عند الانتقال من الاعتراف بفلسطين إلى العلاقات الثنائية، تصبح الصورة مختلفة. فبحسب تقرير للأمم المتحدة، قطعت أربع دول علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023: بليز وبوليفيا وكولومبيا ونيكاراغوا، فيما خفضت سبع دول مستوى علاقاتها: البحرين وتشاد وتشيلي وهندوراس والأردن وجنوب أفريقيا وتركيا. هذه الإجراءات مهمة، لكنها لا تمثل حتى الآن موجة عالمية من القطيعة الدبلوماسية. والأهم أن عام 2026 لم يتحرك في اتجاه واحد. ففي الوقت الذي اتجهت فيه دول غربية إلى تشديد إجراءاتها المتعلقة بالاستيطان، اتفقت إسرائيل والمغرب في 16 أيلول (سبتمبر) على رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارات وتعيين سفراء، مع توسيع التعاون بين البلدين. تكشف هذه التطورات أن العالم لا يتحرك ككتلة واحدة تجاه إسرائيل. هناك دول تشدد إجراءاتها، وأخرى تحافظ على علاقاتها، وثالثة تعمل على تطويرها.

من الإدانة إلى فرض الكلفة

التطور الأكثر أهمية في المرحلة الحالية لا يتعلق فقط بعدد الدول التي خفضت مستوى علاقاتها بإسرائيل، بل باستخدام أدوات اقتصادية وقانونية للتأثير في بعض سياساتها. في 8 أيلول (سبتمبر) أعلنت كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا نيتها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أعلنت دول بينها أيرلندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا إجراءات في الاتجاه نفسه. هنا حدث انتقال مهم: القضية لم تعد محصورة في البيانات السياسية، بل دخلت مجال السياسة التجارية.

لكن الحدود ما زالت واضحة. الإجراءات تستهدف منتجات المستوطنات، لا الاقتصاد الإسرائيلي بكامله. وقد أكدت الدول المعنية في بيانها المشترك استمرار علاقاتها مع إسرائيل ودعم أمنها، مع اعتراضها على التوسع الاستيطاني. لذلك فإن ما يحدث يمثل انتقالًا من الإدانة إلى فرض كلفة، لكنه لا يرقى إلى مستوى العقوبات الاقتصادية الشاملة على إسرائيل.

أوروبا: الاختبار الأكثر حساسية

تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بسبب الوزن الاقتصادي للاتحاد الأوروبي في التجارة الإسرائيلية. ولذلك فإن انتقال عدد متزايد من الدول الأوروبية من الموقف السياسي إلى إجراءات تجارية، ولو في نطاق المستوطنات، يفتح مرحلة مختلفة في العلاقة الاقتصادية.

لكن الاتحاد الأوروبي لم يتحول إلى كتلة موحدة تفرض حصارًا اقتصاديًا على إسرائيل. لا تزال الدول الأعضاء مختلفة بشأن نطاق الإجراءات، ولذلك اتجه بعضها إلى خطوات وطنية بدلاً من انتظار قرار أوروبي موحد. وتكمن أهمية التطور الحالي في احتمال تحوله إلى سابقة. فإذا بقيت القيود محصورة في منتجات المستوطنات، فسيظل تأثيرها الاقتصادي المباشر محدودًا. أما إذا امتدت مستقبلًا إلى اتفاقات تجارية أو استثمارات أو قطاعات اقتصادية إسرائيلية أوسع، فستكون طبيعة العلاقة مختلفة. وتقدم بريطانيا مثالًا على هذه المرحلة الانتقالية: فهي تتحرك لتشديد الإجراءات المتعلقة بالمستوطنات، بينما تستمر علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع إسرائيل. إنها صيغة تقوم على الفصل بين التعاون مع الدولة الإسرائيلية وبين الأنشطة المرتبطة بالاستيطان.

الاقتصاد الإسرائيلي: صمود لا يعني غياب الكلفة

لا توجد حتى الآن مؤشرات على دخول الاقتصاد الإسرائيلي مرحلة حصار أو انهيار. فقد توقع صندوق النقد الدولي في تموز (يوليو) نمو الناتج المحلي بنسبة 3.5 بالمئة خلال 2026، بعد نمو بلغ 2.9 بالمئة عام 2025. لكنه خفض توقعه السابق البالغ 4.8 بالمئة، مشيرًا إلى آثار التوترات الإقليمية والانكماش الحاد في الربع الأول.

وهذه الأرقام تمنع المبالغة في توصيف الوضع الاقتصادي. إسرائيل لم تدخل أزمة اقتصادية شبيهة باقتصادات تعرضت لعقوبات شاملة أو حصار دولي. لكن الصمود لا يعني غياب الكلفة. فقد بلغت صادرات التكنولوجيا الفائقة نحو 85 مليار دولار في 2025، أي 58 بالمئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، سجلت سلطة الابتكار الإسرائيلية أول انخفاض منذ أكثر من عقد في عدد العاملين في البحث والتطوير داخل إسرائيل، مع استمرار توسع نشاط الشركات الإسرائيلية خارج البلاد.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: القطاع الذي يمثل أحد مصادر قوة الاقتصاد الإسرائيلي هو نفسه الأكثر ارتباطًا بالأسواق العالمية والاستثمار الدولي وحركة رأس المال والمواهب. لذلك فإن تأثير العزلة الاقتصادية لا يقاس فقط بقيمة السلع التي تُمنع من دخول الأسواق، وإنما أيضًا بارتفاع المخاطر أمام المستثمرين والشركات، وبزيادة الحوافز لنقل بعض النشاط إلى الخارج.

المقاطعة ليست حصارًا اقتصاديًا

من الضروري عدم الخلط بين اتساع حركة المقاطعة وبين قيام مقاطعة اقتصادية شاملة لإسرائيل. منتجات المستوطنات تمثل جزءًا محدودًا من إجمالي التجارة الإسرائيلية، ولذلك فإن منعها لا يمكن أن يؤدي بمفرده إلى أزمة في الاقتصاد الإسرائيلي. كما أن القيود الحالية لا تستهدف معظم الصادرات الإسرائيلية ولا غالبية الشركات الإسرائيلية. لكن التأثير غير المباشر قد يكون أهم من القيمة التجارية المباشرة. فعندما تبدأ المؤسسات المالية والشركات في تقييم مخاطر التعامل مع مشاريع مرتبطة بالمستوطنات خشية العقوبات أو التداعيات القانونية أو الضرر الذي قد يلحق بسمعتها، تصبح دائرة التأثير أوسع من قيمة المنتجات التي جرى حظرها. العزلة الاقتصادية لا تبدأ بالضرورة بانهيار الناتج المحلي. قد تبدأ بارتفاع كلفة التمويل، وتراجع بعض الاستثمارات، وزيادة مخاطر التأمين والتجارة، ونقل بعض الشركات نشاطها إلى الخارج، ثم تتراكم هذه العوامل بمرور الوقت.

الرأي العام: عامل يصعب تجاهله

ثمة متغير آخر لا يظهر مباشرة في أرقام التجارة والاستثمار، لكنه يؤثر في البيئة السياسية التي تتحرك فيها الحكومات: الرأي العام. في استطلاع لمركز بيو للأبحاث أُجري في 36 دولة بين شباط (فبراير) وأيار (مايو) 2026، بلغ الوسيط العام للنظرة السلبية إلى إسرائيل 67 بالمئة، مقابل 25 بالمئة نظرة إيجابية. وبلغت النظرة السلبية 69 بالمئة في بريطانيا، و73 بالمئة في ألمانيا، و75 بالمئة في إيطاليا، و78 بالمئة في كل من إسبانيا والسويد. وفي الولايات المتحدة ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل من 53 بالمئة عام 2025 إلى 60 بالمئة عام 2026، بينما بلغت النظرة الإيجابية 37 بالمئة. لا يعني ذلك أن الرأي العام يحدد السياسة الخارجية بصورة مباشرة، لكنه يغير البيئة السياسية التي تعمل فيها الحكومات، خصوصًا في الأنظمة الديمقراطية. وكلما اتسعت الفجوة بين السياسة الرسمية والمواقف الشعبية، أصبح استمرار بعض أشكال الدعم والتعاون موضع نقاش سياسي أكبر.

الولايات المتحدة تبقى العامل الحاسم

بالرغم من التحولات الأوروبية والدولية، تبقى العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية عاملًا رئيسيًا في تحديد مدى إمكانية انتقال إسرائيل إلى عزلة شاملة. فاستمرار التعاون الأميركي مع إسرائيل على المستويات العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية يمثل حاجزًا أمام تحول الضغوط الدولية إلى حصار شامل. كما أن تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة لا يعني تلقائيًا تحول السياسة الأميركية الرسمية تجاهها. ولهذا فإن أي قراءة لمستقبل العزلة الإسرائيلية تتجاهل واشنطن ستكون ناقصة. فالفرق كبير بين أن تفرض مجموعة من الدول الأوروبية قيودًا على منتجات المستوطنات، وبين أن تنتقل الولايات المتحدة إلى إجراءات تمس العلاقات العسكرية والاقتصادية الأساسية. حتى نهاية أيلول (سبتمبر) 2026، لم يحدث هذا الانتقال.

إسرائيل تبحث عن مسارات بديلة

في المقابل، لا تتحرك إسرائيل في فراغ دبلوماسي. فاتفاقها مع المغرب في أيلول (سبتمبر) لرفع مستوى العلاقات وفتح السفارات وتعيين السفراء يمثل مثالًا على استمرار قدرتها على تطوير علاقات قائمة. وهذا يكشف أيضًا حدود استخدام مفهوم "العزلة" بصورة مطلقة. فقد تتراجع علاقات دولة مع مجموعة من الدول، بينما تتحسن علاقاتها مع دول أخرى. لذلك لا يكفي عدد الدول التي تنتقد إسرائيل لقياس مستوى عزلتها، الأهم هو وزن هذه الدول وطبيعة الإجراءات التي تتخذها وأهمية العلاقات التي تتراجع.

من العزلة السياسية إلى الكلفة الدولية

حتى نهاية أيلول (سبتمبر) 2026، لا توجد معطيات كافية للقول إن إسرائيل دخلت عزلة دبلوماسية واقتصادية شاملة. لكن هناك تغيرًا واضحًا في طبيعة العلاقة بينها وبين عدد من الدول. الاعتراف بفلسطين اتسع إلى 161 دولة، لكنه لم يتحول إلى قطيعة جماعية مع إسرائيل. وقطع العلاقات أو خفضها ما زال محصورًا في عدد محدود من الدول. أما العقوبات فأصبحت أداة مستخدمة ضد مستوطنين وجهات مرتبطة بالاستيطان، فيما بدأت القيود التجارية على منتجات المستوطنات تكتسب نطاقًا أوسع، ولا سيما في أوروبا وكندا. وفي الجانب الاقتصادي، لا يزال الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على النمو والتكيف، بينما يحافظ قطاع التكنولوجيا على قدرته التصديرية والاستثمارية. لكن انتقال جزء متزايد من النشاط إلى الخارج وتراجع توقعات النمو يشيران إلى أن الصمود الاقتصادي لا يعني غياب الكلفة. لذلك فإن الوصف الأدق لما يحدث ليس "عزلة إسرائيل" بالمعنى الكامل، وإنما انتقال تدريجي من العزلة السياسية إلى الكلفة الدولية.

السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس عدد البيانات الجديدة ضد إسرائيل، بل ما إذا كانت الإجراءات الحالية ستبقى في نطاق الاعتراف بفلسطين والعقوبات الفردية ومنتجات المستوطنات، أم ستنتقل إلى مجالات أكثر حساسية: الاستثمار، والاتفاقات التجارية، والتعاون العسكري والتكنولوجي، والمؤسسات الحكومية والقطاعات الاقتصادية داخل إسرائيل. إذا بقيت الإجراءات في حدودها الحالية، فسيظل الاقتصاد الإسرائيلي قادرًا على استيعاب جزء كبير من الضغوط، وستظل إسرائيل مرتبطة بشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أما إذا اتسع نطاق الإجراءات من استهداف المستوطنات والأفراد إلى مؤسسات الدولة والاقتصاد الإسرائيلي الأوسع، فستدخل إسرائيل مرحلة مختلفة نوعيًا. حتى الآن، لم يحدث ذلك. لكن ما تغير بالفعل هو أن الضغط الدولي لم يعد محصورًا في قاعات الأمم المتحدة، لقد بدأ، بصورة انتقائية ومحدودة، يتحول إلى كلفة دبلوماسية وتجارية واقتصادية خارجها. وهذه هي السمة الأبرز لمسار إسرائيل الدولي في عام 2026: العزلة لم تكتمل، لكنها لم تعد سياسية فقط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.