لكي نقرأ سيرة منى غانم المري، ربما علينا أولًا أن نقرأ المدينة التي صنعت جزءًا من حكايتها.
دبي.
مدينة لم تكن تملك ترف الانتظار. كانت تمضي بسرعة من الرمل إلى الإسمنت، ومن الميناء إلى العالم، ومن مدينة صغيرة على الخليج إلى مدينة تتطلع لأن تكون في قلب المشهد العالمي. وفي تلك الرحلة كان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يرى في المدينة أكثر من عمران وشوارع ومشروعات، كان يرى فيها فكرة، ويرى في الإعلام اللغة التي تستطيع أن تحمل هذه الفكرة إلى العالم.
ومن هنا يمكن أن نفهم حضور منى المري.
فهي لم تظهر في المشهد الإعلامي بعيدًا عن التحول الذي كانت دبي تعيشه، وإنما جاءت في لحظة كانت المدينة فيها تبحث عن وجوه جديدة تترجم طموحها إلى مؤسسات ومبادرات وحكايات. ولذلك فإن سيرتها ليست سيرة امرأة صعدت في سلم الوظيفة فحسب، وإنما سيرة امرأة تزامن صعودها مع صعود مدينة أرادت أن تكتب صورتها بنفسها.
حصلت منى المري على بكالوريوس إدارة الأعمال من كليات التقنية العليا عام 1996، وما إن أنهت دراستها حتى دخلت ميدان العمل من بوابة مهرجان دبي للتسوق، ضمن الفريق المؤسس للمهرجان، مسؤولةً عن الإعلام والعلاقات العامة.
كانت التجربة الأولى أشبه بمدرسة عملية، فالمهرجان لم يكن مجرد مناسبة جماهيرية، وإنما مشروعًا يتطلب الاحتكاك بالإعلام المحلي والعربي والدولي، والتعامل مع مؤسسات وشركات متعددة الجنسيات. وقد أظهرت منى في تلك التجربة قدرة على التنظيم والتواصل وتحويل الفكرة إلى حدث حاضر في ذاكرة الناس.
لم تكن دبي تريد أن تكون مكانًا يزوره الناس فقط، بل مدينة تتحدث عن نفسها، وتستطيع أن تصل صورتها إلى خارج حدودها.
ثم جاءت اللحظة التي غيرت مسار حياتها المهنية. كانت دبي تستعد لإنشاء نادي دبي للصحافة، وكانت منى جزءًا من الفريق الذي عمل على بلورة فكرته وتفاصيل تأسيسه. وفي عام 1999 أُسندت إليها مهمة إدارة النادي، بعد أن تلقت تدريبًا في نادي الصحافة بواشنطن، لتعود إلى دبي وهي تحمل تصورًا جديدًا عن وظيفة النادي الصحفي ودوره في صناعة التواصل بين الإعلاميين والمؤسسات وصنّاع القرار.
كانت المهمة ثقيلة على امرأة شابة، لكن ثقلها كان بالنسبة إليها فرصة لإثبات أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يتركه من أثر. ومنذ انطلاق نادي دبي للصحافة، أخذت التجربة تتسع، فتحول النادي إلى ملتقى للإعلاميين العرب والدوليين، وأصبح فضاءً للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة قضايا الصحافة والإعلام.
وفي عام 2001 جاء منتدى الإعلام العربي بتوجيه الشيخ محمد بن راشد، ليصبح مع السنوات أحد أهم اللقاءات الإعلامية العربية. ومنذ البدايات ارتبط اسم منى المري بهذا المشروع، حتى غدت واحدة من أبرز الوجوه التي حملت فكرته وطورت مساحته وحافظت على استمراره. وقد وصفت هي نفسها المنتدى بأنه امتداد لرؤية محمد بن راشد في الاعتراف بدور الإعلام وأهميته في تبادل الأفكار والخبرات.
لم تكن مجرد موظفة في مشروع كبير، كانت جزءًا من مشروع أكبر من الوظيفة نفسها: أن تتحول دبي إلى مركز للحوار العربي، وأن يصبح الإعلام شريكًا في التنمية، لا تابعًا لها.
ولهذا لم يكن منتدى الإعلام العربي مجرد مؤتمر سنوي. كان، مع مرور السنوات، أشبه بنهر تتقاطع عنده مياه الصحافة العربية، يأتي إليه الصحفي والكاتب والمفكر والمسؤول، وتتجاور فيه الأسئلة المختلفة حول مستقبل الإعلام العربي. وفي هذا المعنى كانت منى المري تدير أكثر من منصة، كانت تدير مساحة للحوار العربي.
ثم جاءت جائزة الصحافة العربية، فازدادت الفكرة رسوخًا: ليس المطلوب أن تجتمع الصحافة فقط، بل أن يُحتفى أيضًا بأفضل ما تنتجه من عمل وجهد وإبداع. وهكذا كانت دبي تبني في العمران ما كانت تبنيه أيضًا في الإعلام. ناطحات السحاب كانت ترتفع في السماء، والمنصات الإعلامية كانت ترتفع في الوعي. وبين الاثنين كانت منى المري تتحرك.
وفي عام 2014 اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن قائمة "القادة العالميين الشباب"، وهو تكريم جاء في سياق مسيرة مهنية ارتبطت بالإعلام والاتصال الاستراتيجي ودعم مشاركة المرأة.
لم تكن تجربتها منفصلة عن التحولات الاجتماعية كذلك. فحين اتجهت إلى العمل في قضايا المرأة وتمكينها، كانت تواصل الفكرة ذاتها من زاوية أخرى: أن بناء المدينة لا يكتمل إذا بقي نصف المجتمع خارج الصورة.
ومن هنا اكتسبت تجربتها بعدًا آخر. لم تعد المرأة عندها مجرد قضية تُناقش في المؤتمرات، بل أصبحت شريكًا في صناعة المؤسسات والقرارات والمشهد العام. ومن خلال مواقعها في مؤسسة دبي للمرأة وغيرها، اتسعت تجربتها من الإعلام إلى المجتمع، ومن صناعة الصورة إلى التأثير في الواقع.
وهذا ما يجعل سيرتها مختلفة عن سيرة إعلامية تقليدية. فهي ابنة مدينة كانت تتحول، وهي في الوقت نفسه امرأة كانت تتحول معها. كلما اتسعت دبي، اتسعت تجربتها. وكلما دخلت المدينة مجالًا جديدًا، بدا أن الإعلام يجد لها موقعًا فيه.
وحين أصبحت دبي أكثر حضورًا في العالم، أصبح السؤال الإعلامي أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ المدينة على صورتها؟ كيف تتحدث إلى العالم؟ وكيف تتحول من مدينة تُرى إلى مدينة تروي نفسها؟
هنا تحديدًا تتقاطع سيرة منى المري مع مشروع محمد بن راشد.
فالمدينة التي أرادها محمد بن راشد مدينةً للمستقبل، احتاجت إلى إعلام ينظر إلى المستقبل أيضًا. والإعلام الذي نشأ في دبي لم يكن يكتفي بنقل ما يحدث، بل حاول أن يكون جزءًا من صناعة المشهد والحوار.
وفي هذه الرحلة الطويلة، لم تعد منى المري مجرد مديرة لنادٍ صحفي أو مسؤولة عن منتدى، أصبحت إحدى الشخصيات التي يمكن من خلالها قراءة التحول الذي أصاب الإعلام في دبي.
من مهرجان دبي للتسوق إلى نادي دبي للصحافة. ومن النادي إلى منتدى الإعلام العربي. ومن المنتدى إلى جائزة الصحافة العربية. ومن الإعلام إلى قضايا المرأة. ومن المؤسسات المحلية إلى فضاء عربي ودولي أوسع.
إنها رحلة تشبه دبي نفسها: خطوة تفتح خطوة، وفكرة تقود إلى فكرة، ومشروع يولد من مشروع.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن المدينة لم تكن خلفية صامتة في سيرتها، كما لم تكن هي مجرد شخصية عابرة في قصة المدينة.
كان بينهما نوع من التوازي. دبي كانت تكبر، ومنى كانت تكبر معها. دبي كانت تبحث عن موقعها في العالم، ومنى كانت تبحث عن موقع للإعلام العربي في هذا العالم. دبي كانت تبني الجسور مع الخارج، ومنى كانت تبني جسورًا بين الصحفيين والأفكار والمؤسسات.
وفي النهاية، لا تبدو منى غانم المري امرأةً جاءت إلى الإعلام فحسب، تبدو واحدة من النساء اللواتي عشن مرحلة التحول الكبرى في دبي، وشاركن في كتابة بعض فصولها الإعلامية.
أما محمد بن راشد، فيظهر في هذه السيرة لا بوصفه اسمًا يضاف إلى قائمة الشخصيات، وإنما بوصفه صاحب رؤية سياسية وتنموية ارتبطت بها مشاريع إعلامية كبرى في دبي، وفي مقدمتها منتدى الإعلام العربي الذي أُطلق عام 2001 بتوجيهه.
وبين رجل أراد لمدينة أن تكون في المستقبل، ومدينة أرادت أن تتحدث إلى العالم، وامرأة آمنت بأن الإعلام يستطيع أن يصنع جسرًا بين الاثنين، تشكلت حكاية منى المري.
وربما لهذا يمكن اختصار سيرتها بجملة واحدة: لم تكن منى المري شاهدة على قصة دبي، كانت واحدة من الأصوات التي جعلت هذه القصة تُسمع خارج حدودها.
وفي زمن تتبدل فيه الأخبار أسرع من الذاكرة، يبقى ما يُبنى أهم مما يُقال، وتلك، ربما، خلاصة تجربتها: أن تتحول المرأة من متلقية للصورة إلى صانعة لها، ومن هامش الحكاية إلى واحدة من كاتبات فصلها الجديد.

