: آخر تحديث

عراق السيد الرئيس

4
4
3

من الأمور التي اعتاد المواطن العراقي قولها، وهو يتحدث عن أحد العهود السياسية التي مر بها الوطن بالانقلابات العسكرية، أن يقول: عراق نوري السعيد، وعراق الزعيم، وعراق عبد السلام، وعراق صدام حسين. وهو ما يعني أن الوطن كان يتشخص بشخص الزعيم، وضمور مؤسسات الدولة وتمدد شخصية الرئيس.

فمن عام 1920 وإلى اليوم ما زال الوطن بلا مؤسسات مستقلة فاعلة تملك حصانتها من طغيان شخص الرئيس ومزاجه ومفاهيمه وعقده النفسية والعقائدية.

وقد تبدو العبارة مجرد طريقة شعبية لاختصار المراحل التاريخية، لكنها تكشف عن مشكلة أعمق، هي أن الوطن كان يُعرَّف، في أذهان الناس وفي ممارسة السلطة، باسم الرجل الذي يحكمه، بدلاً من أن يُعرَّف بمؤسساته ودستوره وقوانينه. فقد كان الحاكم يكبر، فيما تصغر الدولة.

ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، ظل السؤال يتكرر بصور مختلفة: أين المؤسسة التي تستطيع أن تقول للحاكم: لا؟ وأين البرلمان الذي لا يخشى السلطة التنفيذية؟ وأين القضاء الذي لا يتغير ميزانه بتغير أصحاب النفوذ؟ وأين الجيش الذي يحمي الدولة ولا يصنع حكامها؟ وأين الإدارة التي تعمل بالقانون، لا بالقرب من صاحب القرار؟ وأين الدستور الذي يكون أقوى من الرئيس والحزب والطائفة والسلاح؟

تغيرت الأسماء والعهود، من الملكية إلى الجمهوريات، ومن حكم الحزب الواحد إلى نظام الحصص الذي أنجزه الغزو الأميركي عام 2003، لكن معضلة بناء المؤسسات المستقلة القادرة على مقاومة سلطة الرئيس بقيت من أعقد مشكلات العراق.

فبعد أن كانت شخصية زعيم واحد توشك أن تبتلع الدولة، في أعقاب 2003 تعددت مراكز القوة والنفوذ، وأصبحت المؤسسة أضعف من الحزب، ومن الكتلة، ومن الجماعة المسلحة، وأحيانًا من العشيرة والطائفة والمدينة.

في العهد الملكي كان العراق يملك دستورًا وبرلمانًا وأحزابًا وصحافة، أي أن المؤسسات لم تكن غائبة. لكن النفوذ السياسي تركز في دائرة ضيقة من كبار رجال الحكم، وكان نوري السعيد الشخصية الأكثر حضورًا في الحكومات المتعاقبة. حتى إن الذاكرة الشعبية اختصرت مرحلة كاملة بتعبير "عراق نوري السعيد". وتوثق سجلات تلك المرحلة وجود برلمان ومؤسسات دستورية بالفعل، لكن المشكلة هي محدودية استقلالها وضعف قدرتها على الحد من طغيان سلطة الرئيس.

وعند سقوط النظام الملكي في 14 تموز (يوليو) 1958، أصبح مركز القرار مرتبطًا إلى حد كبير بالزعيم عبد الكريم قاسم بوصفه رئيس الوزراء والقائد العام ووزير الدفاع. وهنا بدأت صورة "الزعيم" تتقدم بصورة أوضح على فكرة المؤسسة. ولذلك انتهى عهده بالطريقة نفسها التي بدأ بها نظامه، بقوة السلاح.

ثم انتقلت الرئاسة من الأخ عبد السلام إلى أخيه عبد الرحمن، ليس بانتخابات شعبية أو بتداول مؤسسي، بل بموازين قوى داخل المؤسسة العسكرية. وبعد سنتين أُطيح بعبد الرحمن عارف بانقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، وظل الجيش عمليًا هو الطريق إلى القصر الجمهوري، والطريق أيضًا إلى بوابة الخروج منه.

أما حين تمكن صدام حسين من الاستيلاء على الحزب والدولة، فقد بلغت شخصنة الدولة ذروتها.

حتى المؤسسات التي حملت أسماء رسمية مثل مجلس قيادة الثورة والحزب والوزارات والأجهزة الأمنية، أصبحت شديدة الارتباط بشخص الرئيس، وتعتمد على الولاء السياسي، أكثر من خضوعها لمؤسسات مستقلة. حتى صار من الصعب عمليًا الفصل بين الدولة والحزب وصدام حسين.

بعد 2003 تغير شكل المسألة جذريًا. فلم يعد العراق محكومًا بزعيم أو حزب، لكن لم تقم دولة المؤسسات، بل ظهرت مشكلة مختلفة تتمثل بتعدد مراكز السلطة بين الحكومة، والأحزاب، والكتل، والقوى المسلحة، والمصالح الاقتصادية والنفوذ الخارجي.

وهكذا عاش العراق مشكلتين. فمرةً تكون الدولة أضعف من رجل واحد، ومرةً تصبح أضعف من رجال كثيرين.

واليوم، هل يتهيأ العراق ليضيف اسمًا جديدًا إلى قاموسه السياسي، فنقول بعد شهور، أو سنوات، (عراق علي الزيدي)، أم تتغير المعادلة ونرى شيئًا افتقدناه طويلًا، هو عراق الدولة، وليس عراق السيد الرئيس؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.