: آخر تحديث
العراق بعد آخر جندي أميركي:

الفراغ الذي تنتظره طهران

4
4
3

قد يكون خروج آخر جندي أميركي من العراق نهاية مهمة عسكرية، لكنه بالتأكيد ليس نهاية الصراع على النفوذ في هذا البلد. فمع إعلان واشنطن انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" وانسحاب قواته من قاعدة أربيل، يدخل العراق مرحلة جديدة يصبح فيها السؤال الأكثر حساسية: من سيملأ المساحة التي تركها الانسحاب الأميركي؟

الولايات المتحدة تؤكد أن مهمتها العسكرية انتهت بعد هزيمة داعش كقوة تسيطر على الأراضي، لكنها ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباراتي للعراق. كما أن الانسحاب جاء تنفيذًا لاتفاق عراقي ـ أميركي أُبرم عام 2024، وليس نتيجة قرار مفاجئ. غير أن انتهاء الوجود العسكري لا يعني اختفاء النفوذ الأميركي، الذي سيبقى قائمًا عبر العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية.

لكن خروج القوات الأميركية يغير بلا شك جزءًا مهمًا من معادلة الردع داخل العراق، ويعيد ترتيب حسابات القوى المحلية والإقليمية، وفي مقدمتها إيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها.

بالنسبة إلى طهران، لا يمثل العراق مجرد دولة مجاورة، بل يحتل موقعًا مركزيًا في منظومتها الإقليمية، بحكم الجغرافيا والحدود الطويلة والتداخل الاقتصادي والاجتماعي، فضلًا عن موقعه الذي يربط إيران بسوريا ولبنان. ولذلك فإن العراق يمثل أحد أهم الشرايين التي تمنح إيران قدرة على التأثير في المشرق.

ولا يعني ذلك أن العراق دولة إيرانية أو أن طهران تملك السيطرة الكاملة على قراره، فالمشهد العراقي متعدد القوى، كما أن المجتمع العراقي أثبت مرارًا حساسيته تجاه التدخلات الخارجية. لكن إيران تمتلك أدوات نفوذ حقيقية، من خلال علاقاتها مع قوى سياسية وفصائل مسلحة وشبكات اقتصادية وأمنية.

وهنا تبرز أهمية الانسحاب الأميركي. فغياب القوات الأميركية قد يمنح بعض الفصائل المرتبطة بإيران هامشًا أوسع للحركة، خصوصًا أن عددًا منها لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه بالرغم من انتهاء مهمة التحالف. وقد ربطت تقارير حديثة بين الانسحاب وبين احتمال زيادة قدرة إيران وحلفائها العراقيين على ترسيخ نفوذهم داخل المؤسسات السياسية والأمنية.

من الخطأ اعتبار الانسحاب الأميركي دليلًا تلقائيًا على أن العراق سيقع تحت الهيمنة الإيرانية. فالفراغ، إذا نشأ، لن يكون بالضرورة حكرًا على قوة واحدة، إذ تتنافس على التأثير في العراق قوى إقليمية ودولية متعددة، فضلًا عن الدولة العراقية نفسها.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تكون الدولة أضعف من القوى المسلحة الموجودة داخلها.

فإذا تمكنت بغداد من توحيد القرار الأمني وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة فعليًا لسلطة الدولة، فإن الانسحاب يمكن أن يشكل خطوة باتجاه سيادة عراقية أكثر اكتمالًا. أما إذا بقيت جماعات تمتلك السلاح والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن مؤسسات الدولة، فإن الحديث عن السيادة سيظل ناقصًا مهما ارتفعت الشعارات.

ولهذا تكتسب مسألة سلاح الفصائل أهمية استثنائية في المرحلة المقبلة. فالحكومة العراقية ترى في انتهاء مهمة التحالف فرصة لانتقال البلاد إلى مرحلة جديدة، لكن تقارير تشير إلى أن ملف نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران ما زال شديد التعقيد.

لا تحتاج إيران، لكي تحافظ على نفوذها في العراق، إلى سيطرة مباشرة أو وجود عسكري معلن. النفوذ الأكثر فاعلية هو الذي يعمل من داخل المؤسسات والمجتمع السياسي نفسه.

وجود حلفاء داخل العملية السياسية، وفصائل مسلحة تمتلك قدرات عسكرية، وشبكات اقتصادية وأمنية، وعلاقات اجتماعية ودينية، يمنح طهران أدوات ضغط واسعة من دون أن تتحمل تكلفة السيطرة المباشرة.

وهنا تكمن حساسية المرحلة المقبلة. فإيران قد تنظر إلى خروج القوات الأميركية باعتباره فرصة لإعادة ترتيب مواقع نفوذها، وليس بالضرورة من خلال مواجهة مباشرة، وإنما عبر تعزيز حضور حلفائها داخل مؤسسات الدولة ومحاولة التأثير في القرارات الأمنية والسياسية.

غير أن الحساب الإيراني يصطدم بعامل مهم: المجتمع العراقي نفسه.

فالعراق شهد خلال السنوات الماضية احتجاجات واسعة ضد الفساد والمحاصصة والتدخلات الخارجية، بما فيها التدخل الإيراني. وهذا يعني أن أي محاولة لتحويل مرحلة ما بعد الانسحاب إلى مرحلة هيمنة خارجية قد تواجه رفضًا شعبيًا وسياسيًا.

لذلك فإن التحدي الذي يواجه العراق ليس استبدال نفوذ أميركي بنفوذ إيراني، ولا إخراج قوة أجنبية لإفساح المجال أمام قوة أخرى، وإنما بناء دولة قادرة على إدارة أمنها وعلاقاتها الخارجية بصورة مستقلة.

والمعيار الحقيقي للسيادة ليس عدد الجنود الأجانب الموجودين في البلاد، بل من يمتلك القرار الأمني والسياسي، ومن يملك السلاح، ومن يحدد اتجاه السياسة الخارجية.

إذا استطاعت بغداد أن تحول الانسحاب الأميركي إلى فرصة لبناء مؤسسات وطنية قوية وقرار أمني موحد، فقد يصبح الحدث محطة مهمة في مسار استعادة الدولة لقرارها.

أما إذا تحول الانسحاب إلى سباق بين الفصائل على توسيع النفوذ، أو إلى فرصة لإيران لترسيخ مواقع حلفائها داخل الدولة، فإن العراق لن يكون قد خرج من دائرة النفوذ الخارجي، بل سيكون قد انتقل من توازن إقليمي إلى آخر.

ومن هنا، فإن المعركة المقبلة لن تكون على القواعد العسكرية بقدر ما ستكون على القرار العراقي نفسه.

فقد أُغلق فصل عسكري طويل بانسحاب القوات الأميركية، لكن فصلًا أكثر حساسية بدأ للتو: هل تملأ الدولة العراقية المساحة التي تركها الأميركيون، أم تملؤها شبكات النفوذ والسلاح؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لمعنى "سيادة العراق" في المرحلة الجديدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.