رقمان خرجا من عملية تعداد سكاني واحدة، لكن الفرق بينهما ليس صغيرًا.
14.14 بالمئة و12.68 بالمئة هما اليوم محور نقاش بين بغداد وأربيل، بعدما أصبح السؤال يتجاوز طريقة احتساب السكان إلى قضية تتعلق بالموازنة والحقوق المالية والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان.
وزارة التخطيط الاتحادية تقول إن البيانات الخام للتعداد أظهرت أن سكان الإقليم يشكلون 14.14 بالمئة من مجموع سكان العراق. لكن الوزارة توضح أن احتساب النسبة التي تعتمدها في بعض الجداول جرى بعد تطبيق ما تسميه "مصفوفة الهجرة"، أي إعادة احتساب أشخاص يقيمون في الإقليم وكان محل إقامتهم السابق في محافظات عراقية أخرى ضمن محافظاتهم الأصلية، لتصبح النسبة 12.68 بالمئة. وتقول الوزارة إن هذه الآلية جرى الاتفاق عليها قبل تنفيذ التعداد وبناءً على طلب ممثلي الإقليم.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
إذا كانت البيانات الخام تقول 14.14 بالمئة، فما الذي يبرر الانتقال إلى 12.68 بالمئة؟ وما الوثيقة التي تحدد بشكل واضح متى تستخدم النسبة الأولى ومتى تستخدم الثانية؟ وهل نحن أمام نتيجتين للتعداد نفسه، أم أمام نتيجة واحدة وتفسير إداري مختلف لها؟ هذه الأسئلة ليست موجهة ضد وزارة التخطيط، كما أنها لا تعني تلقائيًا أن الرقم 12.68 بالمئة غير صحيح. لكنها أسئلة طبيعية عندما يتعلق الأمر برقم يمكن أن يدخل في حسابات الموازنة والاستحقاقات المالية.
إقليم كوردستان ينظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة. حكومة الإقليم تتمسك بأن نسبة سكانه، باستثناء المناطق الكوردستانية الواقعة خارج إدارته، تبلغ 14.14 بالمئة، وتقول إن هذه هي النتيجة الرسمية والصحيحة للتعداد. وفي أيلول (سبتمبر) 2026، جدد مجلس وزراء الإقليم رفضه اعتماد نسبة 12.68 بالمئة التي حددتها الحكومة الاتحادية، وطالب باعتماد نسبة 14.14 بالمئة عند احتساب مستحقاته في موازنة 2027.
اللافت هنا أن الخلاف ليس على وجود التعداد نفسه. الجميع تقريبًا يتعامل مع التعداد باعتباره خطوة ضرورية للعراق بعد عقود طويلة من غياب تعداد شامل. الخلاف بدأ عندما انتقل الرقم من جدول إلى آخر، ومن نتيجة خام إلى نتيجة معدلة وفق منهجية معينة.
الدستور العراقي يعطي السكان وزنًا واضحًا في توزيع الموارد. المادة 121 تنص على تخصيص حصة عادلة للأقاليم والمحافظات من الإيرادات الاتحادية، مع الأخذ بنظر الاعتبار مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها. كما تنص المادة 112 على توزيع واردات النفط والغاز بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في أنحاء البلاد. وفي الوقت نفسه، تضع المادة 110 التعداد العام للسكان ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
لهذا السبب لا يمكن التعامل مع نسبة السكان كرقم موجود في تقرير إحصائي فقط.
الفرق بين 14.14 بالمئة و12.68 بالمئة يقارب 1.46 نقطة مئوية. وقد يبدو الرقم صغيرًا لمن ينظر إليه من خارج الحسابات المالية، لكنه يصبح مختلفًا عندما يدخل في موازنة دولة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين، وفي حسابات تتعلق بالخدمات والإنفاق العام وحصة الإقليم من الإيرادات الاتحادية.
وهنا تظهر نقطة أخرى تحتاج إلى شرح واضح: مصفوفة الهجرة.
وزارة التخطيط تقول إن إعداد هذه المصفوفة جاء بعد التعداد، وإن مجلس الوزراء الاتحادي أصدر القرار 24853 لسنة 2024 الذي تضمن إعداد جداول لحركة السكان ومقاطعتها مع سجلات تعداد 1957، وتقول الوزارة إن ذلك جاء استجابة لطلب الإقليم.
إذا كان الأمر كذلك، فمن حق الرأي العام أن يعرف تفاصيل هذه الآلية: كم شخصًا شملتهم؟ من أي محافظات؟ وكيف تغيرت أرقام كل محافظة؟ وما الفرق بين الرقم السكاني الفعلي الموجود في مكان ما والرقم الذي سيُحتسب لأغراض توزيع الموارد؟
هذه التفاصيل مهمة أكثر من التصريحات السياسية، لأنها تسمح للناس بفهم ما حدث بعيدًا عن لغة الاتهام والرد.
المسألة تصبح أكثر حساسية عندما نتحدث عن المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، وعن العائلات التي تحركت بسبب الحروب والتهجير والنزوح خلال العقود الماضية. العراق ليس بلدًا مستقرًا ديموغرافيًا منذ زمن قصير. هناك مدن تغير سكانها، وعائلات غادرت مناطقها، وأخرى عادت، وملايين تحركوا بسبب الحروب والإرهاب والظروف الاقتصادية.
لهذا السبب تحديد مكان إقامة المواطن وتاريخ انتقاله ليس تفصيلًا بسيطًا، خصوصًا عندما يتحول هذا التفصيل إلى أساس لحساب الأموال.
المطلوب الآن ليس سجالًا جديدًا بين بغداد وأربيل، ولا تبادل الاتهامات حول الأرقام.
المطلوب أن توضع الجداول أمام المختصين، وأن تكون طريقة الوصول من 14.14 بالمئة إلى 12.68 بالمئة مفهومة وقابلة للتدقيق. إذا كانت هناك اتفاقات سابقة، فلتُنشر تفاصيلها. وإذا كانت هناك قرارات من مجلس الوزراء، فلتكن واضحة. وإذا كانت هناك منهجية إحصائية متفق عليها، فمن الطبيعي أن يعرف العراقيون كيف طُبقت.
إقليم كوردستان لديه مبرراته عندما يطالب باعتماد 14.14 بالمئة، خصوصًا أن وزارة التخطيط نفسها تقول إن البيانات الخام للتعداد أعطت هذه النسبة. وفي المقابل، لدى الوزارة تفسير معلن للانتقال إلى 12.68 بالمئة.
بين الرقمين توجد قضية أكبر من الرقم نفسه: كيف يُدار المال العام في دولة اتحادية، وكيف تتحول نتائج التعداد إلى حقوق مالية، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تختلف جهة اتحادية وإقليم في تفسير النتيجة؟
هنا يجب أن يكون الحسم بالوثيقة والقانون، لا بالخطاب السياسي.
فالتعداد لم يُجرَ لكي ينتج رقمًا جميلًا في تقرير، بل لكي يعرف العراق كم عدد سكانه وأين يعيشون، وبناءً على ذلك يخطط للمدارس والمستشفيات والطرق والخدمات والموازنة.
لذلك يبقى السؤال مفتوحًا وبسيطًا:
14.14 أم 12.68؟
قبل أن يكون الجواب سياسيًا، يجب أن يكون إحصائيًا وشفافًا وقانونيًا واضحًا. وعندما تتضح الطريقة التي انتقل بها الرقم من الأول إلى الثاني، يستطيع العراقي أن يفهم الخلاف، وتستطيع بغداد وأربيل أن تناقشاه على أساس واحد.
فالرقم السكاني في العراق ليس مجرد رقم. أحيانًا يكون وراءه مدرسة، ومستشفى، وطريق، وراتب، وحصة من المال العام.


