منذ نشأة مفهوم الديمقراطية في أثينا القديمة نحو عام 508 قبل الميلاد، بوصفها وسيلة حكم تنشد العدالة السياسية في حكم البشرية، وتقيد جموح استبداد الحاكمية، والمفكرون السياسيون يرون أنها لا تخلو من سلبيات، فهي لا تمثل بالإطلاق الحكم المثالي، لكن لم تظهر طريقة حكم أخرى أفضل منها. والحقيقة التاريخية الراسخة تقرّ بأن النماذج الديمقراطية غير المزيفة شكلت أنقى خلاص سياسي للإنسانية، ولم يعرف العالم نموذج حكم تجاوزها.
منذ نشأت الديمقراطية وهي مرتبطة عضويًا بمفهوم الدولة الوطنية، لأنها وعاؤها على مدار نشأة الحضارات التي اتبعتها في ممارسة الحكم.
وبدأت في الآونة الأخيرة، في ظل التطورات التكنولوجية الخارقة التي تبدعها البشرية، تظهر مفهومات كونية تحمل تصورات فكرية حول النماذج التي ستنتهي إليها البشرية، مثل نهاية التاريخ، ونهاية الهويات المحلية، وفي سياق مفهوم النهايات ظهر مفهوم نهاية الديمقراطية، وهي تفسيرات تنطلق من مسلمة تاريخية أن بلوغ الأمم الذروة الحضارية مؤشر حتمي على انحدارها ونهايتها.
شكّل ظهور هذا المفهوم صفعة للإنسانية، ولا سيما أن البديل سيكون عودة الإمبراطورية وفق هذا التنبؤ. وأبرز من أسس لهذا المفهوم المفكر والدبلوماسي الفرنسي جان ماري جيهينو، الذي انطلق في نظريته من حتمية التحولات الجذرية في مفهوم الدولة والسياسة استجابة للتطورات الهائلة التي تطرأ على الحياة الحضارية واستهلاكها لمختلف الصور النمطية لحاكمية البشرية.
يرى جان ماري جيهينو أن العالم في ظل التحولات التي تنتج عن متطلبات الحياة التي تستجيب للتطورات التكنولوجية العظيمة. سينشئ دولة حديثة تلائم هذه التطورات، ويستدعي هذا التطور أفول أنماط الدولة الوطنية ذات الحدود الجغرافية المعهودة، لأن طبيعة المصالح العالمية باتت تتطلب دولة جديدة تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية. وأننا مقبلون على عصر "الإمبراطورية الجديدة". ويقصد جيهينو بهذا الشكل من الدولة "الشبكات العالمية: الاقتصادية، المعلوماتية، والقانونية. التي تتجاوز المركزية وتتلاشى فيها الهويات الوطنية لصالح "عالمية" تقودها التكنولوجيا والأسواق المالية، مما يجعل التحكم السياسي التقليدي أمرًا صعبًا".
وأخطر ما في رؤية جيهينو أن الديمقراطية لا تكون في الدولة الإمبراطورية قادرة على فاعلية تمثيلية، فنمط الدولة الجديد يزج الديمقراطية في أزمة تمثيلية حقيقية، لأن الديمقراطية مرتبطة عضويًا بالدولة الوطنية والجماعة السياسية التي تمثل متطلباتها وفق شروط هويتها الوطنية، ويعلل جيهينو رؤيته بأن "تلاشي الحدود الجغرافية الوطنية وتشتت مراكز القرار، تفقد المؤسسات الديمقراطية مثل البرلمانات قدرتها على التأثير الحقيقي، مما يؤدي إلى: بداية اغتراب المواطن وإحساسه بلا جدوى صوته الانتخابي، واستحالة تأثيره في ظل توغل نظام الشبكات العالمية الحاكمة الفعلية للبشرية، وهذا النظام الجديد يتطلب سيادة بيروقراطية يتحول فيها الحكم من "سياسة" تعتمد على القيم إلى "إدارة" تقنية جافة" وهذا يؤدي إلى استبدال المواطن المشارك في صناعة مصير السياسة الوطنية بالمواطن المستهلك المستلب بالبحث عن حاجاته الذاتية الفردية، وسوف يؤدي طغيان الذاتية الفردية إلى تدمير نسيج الروابط الاجتماعية التي توجه الديمقراطية إلى تحصين الوطنية.
يرتكز جيهينو في نظريته إلى وقائع موضوعية تفرضها طبيعة عصر المعلومات التي تؤدي "إلى تآكل التراتبية التقليدية. فالمعلومات تتدفق بسرعة تتجاوز قدرة القوانين الوطنية على الملاحقة، مما يخلق نوعًا من "الفوضى المنظمة" التي يصعب حكمها ديمقراطيًا".
تثير هذه الرؤية قلقًا حقيقيًا حول تحولات شكل دولة المستقبل، وجيهينو في نظريته لنهاية الدولة الوطنية يستند إلى حقائق طور التطور الحديث للدولة في ظل تطورات التكنولوجيا العالمية التي تتحول إلى وحش يلتهم صانعه، ويرى جيهينو في هذا السياق: "أن الهياكل السياسية التي عرفناها لقرون لم تعد كافية لمواجهة تحديات العصر الرقمي والعولمة، وأننا بحاجة إلى إعادة تعريف معنى "السياسة" في عالم بلا حدود واضحة".
والأكثر إثارة للقلق في هذه النظرية أنها لا توصف أساليب الحاكمية في الإمبراطورية الجديدة، ومدى اختراق حدود الدولة الوطنية، وما طبيعة المجتمعات البشرية التي ستتكون في عالم جديد على حافة نهاية الديمقراطية، وكأن ذلك يلاقي رؤية فوكوياما في رؤيته لنهاية التاريخ، سيتحول العالم إلى نموذج الغابة، فغياب الديمقراطية في نظام إمبراطوري جديد متوحش بفردية متغولة بمصالحها الذاتية هي عالم الغابة بكل أبعاده.


