تدخل المنطقة مرحلة "السيولة السياسية" الأكثر تعقيدًا مع إعلان واشنطن طي صفحة عملية "الغضب الأسطوري" العسكرية، والانتقال إلى ما سُمي بـ"مشروع الحرية"، الذي علّقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأعلن عنه الوزير ماركو روبيو. هذا التحول لا يعكس مجرد تهدئة مؤقتة، بل إعادة تموضع استراتيجية تهدف إلى تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب جيوسياسية مستدامة، عبر إدخال القوى الكبرى في معادلة الحل.
التفسير الأبرز لتعليق الرئيس ترامب "مشروع الحرية" مؤقتًا، يرتبط مباشرة بأجندة ترامب الذي يستعد للقاء الرئيس شي جين بينغ في بكين. ففي منطق "فن الصفقات"، لا يمكن خوض مفاوضات كبرى مع الصين تحت ضغط صراع مفتوح في الخليج. لذا، يبدو القرار أقرب إلى "تصفير مؤقت للأزمات"، يمنح واشنطن هامش حركة أوسع وتركيزًا كاملًا على التفاوض مع بكين.
في هذا السياق، لا تبدو بكين مستعدة لتقديم تنازلات مجانية عبر الضغط على طهران؛ إذ ترتبط معها بعلاقات نفطية عميقة، وتستفيد من انشغال واشنطن إقليميًا، كما تحرص على عدم الظهور كأداة لضبط التوازنات لصالح الولايات المتحدة.
لكن اللافت أن تحركًا إيرانيًا سبق القمة المرتقبة؛ فزيارة وزير الخارجية عباس عراقجي اليوم إلى بكين، قبل أيام من وصول ترامب، تعكس محاولة استباقية لتثبيت الموقف الإيراني لدى الصين. الزيارة تحمل هدفين متلازمين: ضمان استمرار الغطاء الاقتصادي الصيني في مواجهة العقوبات، وتنسيق الرواية التفاوضية قبل أي تفاهم أميركي - صيني محتمل. ومع اعتماد بكين على نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيراني، وتحركها بهدوء لدفع طهران نحو التفاوض دون إعلان موقف واضح من مضيق هرمز، يتكرس دورها كلاعب مزدوج: شريك اقتصادي لإيران ووسيط محتمل مع واشنطن.
وبالرغم من ذلك، تظل جولة المفاوضات في إسلام آباد محفوفة بالمخاطر؛ إذ تراهن طهران على عامل الوقت لامتصاص الضغط الأميركي. غير أن الرهان الحقيقي لواشنطن يتجاوز هذه الجولة، باتجاه ما يمكن وصفه بـ"الصفقة ذات الوجهين" في بكين: اتفاق تجاري واسع مع الصين، يقابله دور صيني أكثر فاعلية في دفع إيران نحو تسوية نهائية، مقابل ضمانات تتعلق باستقرار تدفقات الطاقة.
نجاح هذا المسار قد يؤسس لترتيب دولي جديد، تصبح فيه الصين شريكًا ضمنيًا في ضمان الاستقرار. فيما تحقق واشنطن أهدافها مع إيران دون تصعيد عسكري إضافي. أما الفشل فقد يعيد المنطقة سريعًا إلى منطق "الغضب الأسطوري" إذا ما رأت واشنطن أن الوقت يُستخدم للمماطلة.
وبهذا ينتقل الصراع من ساحات الاشتباك إلى طاولات التفاوض في بكين وإسلام آباد، في تجسيد واضح لسياسة "البراغماتية الخشنة". وبين احتمالات الصفقة الكبرى أو العودة إلى التصعيد يبقى مضيق هرمز معلقًا على نتائج هذه اللحظة الدبلوماسية الحاسمة.


