على مر أعوام طوال، تعاملت المملكة العربية السعودية مع لبنان بحذر مدروس، إذ فضّلت الابتعاد عن الانخراط المباشر في نظام سياسي طالما اعتبرته مختل البنية وعاجزًا بطبيعته عن إنتاج إصلاح فعلي. غير أن هذا النهج لم يعد قائمًا على المسافة وحدها، بل تحوّل إلى صيغة تتميز بكثير من الصرامة والانضباط، ولا تقوم على الانفتاح غير المشروط، بل على معادلة واضحة لا لبس فيها: فلا تعافٍ فعلي في لبنان من دون استعادة سيادته، ولا إمكانية لبسط سيادة الدولة في ظل استمرار وجود سلاح حزب الله خارج إطارها.
هذا التحوّل لا يمكن مقاربته كمجرد تصعيد خطابي، ولا كجزء من محاولة لفرض أجندة تطبيع أو لدفع لبنان للدخول في اصطفافات سياسية سابقة لأوانها، بل هو تعبير عن رؤية مختلفة جذريًا لطبيعة الأزمة اللبنانية. فالمسألة، في نظر الرياض، لا تُختصر بانهيار اقتصادي أو شلل سياسي، بل تتجاوز ذلك لتصبح خللًا بنيويًا عميقًا يتمثل في وجود سلطة عسكرية موازية تُقوّض مفهوم الدولة، وتُفرغ مؤسساتها من مضمونها، وتربط قرارها السيادي بحسابات إقليمية لا تخضع لأي مساءلة وطنية.
تكمن أهمية هذا الموقف في وضوحه وشفافيته، إذ لم تعد المملكة، كما في مراحل سابقة، تراهن على إمكانية تقديم الدعم قبل الإصلاح أو على احتمال أن تُفضي المساعدات إلى تغيير داخلي لاحق، بل باتت تعكس المعادلة، إذ أصبح الإصلاح شرطًا للدعم لا نتيجة له. هذا التبدّل لا يعبّر فقط عن إعادة تقييم سعودية للتجربة اللبنانية، بل يعكس أيضًا توجهًا إقليميًا أوسع نطاقًا تبلور خلال السنوات الأخيرة، يقوم على قناعة مفادها أن الاستثمار في دول لا تحتكر استخدام القوة محكوم عليه بالفشل، وأن أي محاولة لإنعاش اقتصاد أو إعادة بناء مؤسسات في ظل ازدواجية السلاح ستبقى رهينة لمعادلات خارجية لا يمكن ضبطها.
من هذا المنطلق، لا يُنظر إلى سلاح حزب الله كمسألة لبنانية داخلية فحسب، ولا حتى كجزء من توازنات سياسية محلية، بل كعنصر أساسي ضمن منظومة إقليمية شاملة تُستخدم فيها الفواعل غير الدولية كأدوات نفوذ إيرانية، تتيح لطهران توسيع مجالها الاستراتيجي من دون أن تتحمّل كلفة المواجهة المباشرة. وبقدر ما يبقى لبنان مندرجًا في هذه المنظومة، فإنه يفقد القدرة على تقديم نفسه كشريك موثوق في أي مسار لإعادة الإعمار أو الإصلاح، لأن قراره السيادي يبقى، في جوهره، مقيّدًا ومصادَرًا.
في هذا السياق، يتخطى نزع السلاح مسألة اعتباره هدفًا بحد ذاته، بل إنه شرط تأسيسي، لا بل جوهري، لإعادة توصيف لبنان كدولة سيادية، قادرة على اتخاذ قراراتها بمعزل عن منطق الوكالة الإقليمية. وهذا ما ينعكس مباشرة على النقاش الداخلي اللبناني، إذ إن وضع معيار خارجي واضح بهذا الشكل يُقلّص هامش المناورة أمام القوى السياسية، ويدفعها إلى مواجهة خيار طالما جرى تأجيله أو الالتفاف عليه. فخطاب "التعايش" بين الدولة والسلاح، الذي قُدّم لسنوات كحل براغماتي، برز اليوم كأحد أهم مصادر عدم الاستقرار، فيما تتراجع جدية الطروحات التي تتحدث عن إمكانية "تنظيم" هذا السلاح أو "دمجه تدريجيًا" من دون المساس بجوهر موازين القوة.
غير أن الإشكالية لا تقتصر على تحديد السياسات، بل تتعلّق، بالدرجة الأولى، بمدى توافر الإرادة السياسية. فالدولة اللبنانية، على مدى عقود، تناولت مسألة سلاح حزب الله كملف مؤجل، إما عبر ربطه بصراعات إقليمية أوسع، أو عبر استغلال هشاشة الداخل كذريعة لعدم المواجهة. إلا أن هذه المقاربة بلغت حدودها القصوى، لا سيما في ظل الحرب الحالية التي لم تعد كلفتها نظرية أو قابلة للتأجيل، بل أصبحت ملموسة في الدمار الذي طال البنى التحتية، وفي موجات النزوح المتكررة، وفي الانكشاف المتزايد للاقتصاد الوطني أمام تقلبات الأمن الإقليمي.
في ظل هذا الواقع، لا تسعى المملكة، ومعها عدد من الدول العربية، إلى فرض خيارات على لبنان بقدر ما تعمل على توضيح نتائجها، بحيث يصبح المشهد أكثر شفافية وأقل قابلية للالتباس. الرسالة هنا ليست تهديدًا بقدر ما هي تحديد شروط الانخراط: لبنان الذي يستعيد سيادته ويستعيد مكانة مؤسساته سيجد من يستثمر في تعافيه، أما لبنان الذي يستمر في الارتهان لمنطق السلاح خارج الدولة، فسيدفع ثمن ذلك عزلة متزايدة وتراجعًا مستمرًا في فرص النهوض.
يبقى السؤال الجوهري متعلقًا بمدى استعداد الطبقة السياسية اللبنانية لتحمّل كلفة هذا التحوّل، لأن مسار نزع السلاح لا يمكن اختزاله بإجراءات تقنية أو بعمليات جمع للعتاد، بل يتطلب إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يعيد بناء الثقة بالمؤسسات، ويعيد تعريف مفهوم الأمن خارج إطار الردع المسلح، ويفتح الباب أمام عقد سياسي جديد يقوم على احتكار الدولة للعنف المشروع. كما أن هذا المسار يستدعي مواجهة مباشرة مع شبكات مصالح متجذّرة استفادت طويلًا من واقع الازدواجية، وهو ما يجعل التحدي سياسيًا بامتياز قبل أن يكون أمنيًا أو إداريًا.
مع ذلك، فإن البديل مهدد بالانهيار، لأن استمرار الوضع القائم يعني بقاء لبنان في دائرة مفرغة من الهدوء الهش والتصعيد المفاجئ، ويعني أيضًا بقاء اقتصاده رهينة لصورة المخاطر التي تحيط به، كما يعني عجز نظامه السياسي عن أداء أبسط وظائفه. وعليه، فإن الخيار الحقيقي لا يدور بين مواجهة أو تسوية، بل بين استعادة السيادة أو القبول بحالة تبعية دائمة تُفرغ الدولة من معناها.
إن انخراط المملكة العربية السعودية، المحدود والمشروط بشكل واضح، يقدّم إطارًا يمكن للبنان أن يعيد من خلاله صياغة خياراته، لا باعتباره ضمانة للنجاح، بل كآلية لإعادة ربط الإصلاح الداخلي بالدعم الخارجي. وفي هذا التحوّل تحديدًا، تعود المسؤولية إلى مكانها الطبيعي: داخل لبنان نفسه، حيث لا يعود بالإمكان تأجيل القرار، ولا الاستمرار في إدارة الأزمة كأنها قدر لا يمكن تغييره.


