: آخر تحديث

إسرائيل على حافة مرحلة أخطر: تركيا بدل إيران

15
15
10

لا يزال بعضُ المراقبين يعتقد أن الصراع الدائر في الشرق الأوسط يهدف إلى إعادة إنتاج قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، متجاهلين التحولات العميقة التي طرأت على موازين القوى منذ ذلك التاريخ. فالمنطقة لم تعد كما كانت، لا من حيث طبيعة التحالفات، ولا من حيث أساليب المواجهة، ولا حتى من حيث هوية اللاعبين الأساسيين.

خلال السنوات الماضية، انحصرت المواجهة المباشرة نسبيًا بين إسرائيل وإيران، بينما بقيت بقية الأطراف تدور في فلك هذا الصراع بشكل غير مباشر. غير أن المؤشرات الراهنة توحي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة، قد تتراجع فيها طهران عن موقعها كطرف رئيسي في المواجهة المباشرة، لتفسح المجال أمام صعود دور تركي أكثر حدة، خاصة في ظل التصعيد غير المسبوق بين أنقرة وتل أبيب.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل ضغوطهما على إيران لإجبارها على التخلي عن طموحاتها النووية وتقليص برنامجها الصاروخي. إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق قوة مؤثرة، أبرزها شبكة الحلفاء والوكلاء المنتشرين في عدد من الساحات الإقليمية، مثل فصائل الحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، إلى جانب بعض الفصائل الفلسطينية. وتشكل هذه الأذرع عنصر توازن استراتيجي، لا يقل أهمية بالنسبة إلى إيران عن برنامجها النووي، في مواجهة الضغوط الدولية.

وقبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، اعتمدت إيران بشكل أساسي على هذا النهج غير المباشر، متجنبة الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل. إلا أن التطورات اللاحقة، ولا سيما الحروب التي شهدتها المنطقة خلال عامي 2024 و2025، أدت إلى كسر هذا النمط التقليدي، ودفعت طهران إلى الانخراط بشكل أكثر مباشرة، ولو في إطار تنسيق مع حلفائها.

في موازاة ذلك، برزت تركيا كفاعل متصاعد في المشهد الإقليمي، مستفيدة من التحولات التي أعقبت سقوط النظام السوري أواخر عام 2024. فبعد سنوات من إدارة العلاقة المعقدة مع دمشق، انتقلت أنقرة سريعًا إلى موقع أكثر تأثيرًا داخل الساحة السورية، مستندة إلى دعمها الطويل للمعارضة السورية واحتضانها لفصائلها. هذا التحول منح تركيا نفوذًا مباشرًا على مقربة من الحدود الإسرائيلية، ما أثار قلقًا متزايدًا في تل أبيب، التي كانت قد عملت سابقًا، بالتنسيق مع موسكو، على الحد من الوجود الإيراني في تلك المنطقة.

ومع انخراط القيادة السورية الجديدة في تحالفات دولية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، برزت مؤشرات على احتمالية توسع المواجهة لتشمل حزب الله في لبنان. غير أن هذا السيناريو لم يلق ترحيبًا في أنقرة، التي رأت فيه خطرًا بانزلاق المنطقة إلى صراع مذهبي واسع يصعب احتواؤه، فضلًا عن كونه استنزافًا للطرفين دون تحقيق مكاسب استراتيجية واضحة لأي منهما، في حين قد تكون إسرائيل المستفيد الأكبر من نتائجه.

من هذا المنطلق، سعت تركيا إلى احتواء احتمالات التصعيد، إدراكًا منها أن أي مواجهة واسعة في لبنان وسوريا قد تعرقل طموحاتها الإقليمية. إذ يبدو أن أنقرة تعمل على صياغة مقاربة جديدة تتيح لها وراثة جزء من النفوذ الذي بنته إيران عبر شبكة حلفائها، ولكن بصيغة مختلفة، تقوم على توسيع دائرة تأثيرها السياسي والأمني دون الانزلاق إلى صراعات مباشرة واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، بدأت تركيا بخطوات عملية لإعادة ترتيب البيئة المحيطة بها، سواء من خلال تحجيم بعض القوى التي تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي، كقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، أو عبر التدخل لخفض التوتر بين أطراف النزاع المختلفة. كما تسعى إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية جامعة، تتجاوز الانقسامات المذهبية، ما قد يسهل عليها بناء علاقات جديدة حتى مع أطراف تُحسب على المحور الإيراني.

أما إسرائيل، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة. فهي، من جهة، لا ترغب في بقاء إيران قوية، ومن جهة أخرى تخشى من انهيارها دون وجود بديل واضح، لما قد يخلّفه ذلك من فراغ استراتيجي قد تستفيد منه تركيا بشكل أساسي. هذا القلق يفسر بعض التحركات الإسرائيلية الهادفة إلى رسم خطوط صفراء شمال حدودها وفي الجنوب السوري، وبناء ترتيبات أمنية تحول دون اقتراب النفوذ التركي من حدودها.

في المحصلة، لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مجرد امتداد لمرحلة سابقة، بل دخل طورًا جديدًا تتغير فيه الأدوار وتتبدل فيه مراكز الثقل. وبين تراجع نسبي لدور، وصعود متسارع لآخر، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، عنوانها الأبرز إعادة تشكيل التوازنات وفق معطيات مختلفة تمامًا عما كان قائمًا قبل تشرين الأول (أكتوبر) 2023.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.