: آخر تحديث

الخلايا الإيرانية في الخليج... كيف تسللت إلى المنابر الدينية؟

3
2
4

خلال الأسابيع الماضية، أعلنت عواصم خليجية عدة، من بينها الكويت والبحرين والإمارات وقطر، عن تفكيك خلايا مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري، ضُبط أفرادها وبحوزتهم طائرات مسيّرة وأسلحة ومتفجرات وخرائط، في مخططات كانت تستعد للانتقال إلى مراحل تنفيذية مباشرة. وبالرغم من اختلاف التفاصيل بين دولة وأخرى، فإن القاسم المشترك واضح: نشاط عملياتي منظم، لا مجرد محاولات اختراق ناعمة أو تحركات هامشية. نحن أمام خلايا جاهزة للعمل، لا أمام مجموعات مراقبة أو تمويل فقط.

هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها كحوادث منفصلة، بل كجزء من نمط إقليمي أوسع تتبناه طهران منذ سنوات، يقوم على إدارة النفوذ عبر أدوات لا تشبه سلوك الدول، بل أقرب إلى عمل التنظيمات التي تتحرك في الفراغات القانونية والاجتماعية. فالمشروع الإيراني في المنطقة لا يعتمد على العلاقات الرسمية أو القنوات الدبلوماسية، بل على شبكات تُبنى داخل المجتمعات، وتُغذّى بخطاب تعبوي، وتُدار بمنطق الميليشيا لا بمنطق الدولة. وما ينكشف اليوم ليس طارئًا، بل امتداد لمسار طويل باتت أدواته مكشوفة وأهدافه أكثر وضوحًا: خلق مساحات نفوذ داخل الدول الخليجية عبر خلايا سرية تستهدف المجتمع قبل المؤسسات.

إيران، في سلوكها الإقليمي، لا تتصرف كدولة تبحث عن شراكات مستقرة أو مصالح متبادلة. هي تبني نموذجًا موازيًا يقوم على شبكات تعمل خارج القانون، تُفكك وتُعاد صياغتها بحسب البيئة المستهدفة، وتتحرك بمرونة عالية تجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا. هذه الشبكات تعمل بمنطق التنظيمات العابرة للحدود، حيث الولاء ليس للوطن بل للمشروع.

فبدلاً من بناء علاقات طبيعية مع دول الجوار، يجري خلق قنوات ولاء بديلة، وتغذية خطاب تعبوي طويل المدى يربك العلاقة بين المجتمع والدولة، ويزرع الشك في المؤسسات، ويخلق قابلية للاصطفاف خارج الإطار الوطني. إنه مشروع يقوم على ضرب الثقة قبل ضرب الأمن، وعلى التأثير في وعي الناس.

ومن أخطر أدوات هذا المشروع توظيف السرديات التاريخية والمظلومية السياسية كمدخل للاختراق. فالتاريخ يُعاد تقديمه كخطاب تعبوي، لا كمعرفة، وتُستخدم لإثارة النعرات الطائفية على حساب الهوية الوطنية. تتسلل هذه السرديات إلى منابر اجتماعية ودينية، وتتحول اللغة العاطفية إلى أداة تأثير بطيئة، تراكم الشك وتضعف الثقة، وتخلق بيئة قابلة للاختراق.

ومع ذلك، فإن قدرة هذه السرديات على التأثير لم تعد كما كانت. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المجتمعات الشيعية في الخليج تحولات فكرية هادئة لكنها عميقة، أعادت فيها شرائح واسعة النظر في علاقتها بالدولة الوطنية وفي معنى الانتماء داخل سياق إقليمي مضطرب. هذه التحولات لم تكن نتيجة ظرف سياسي عابر، بل ثمرة مراجعات داخلية قادها مثقفون وفاعلون اجتماعيون أدركوا أن الخطابات العابرة للحدود، مهما بدت جذابة في لحظات التوتر، لا تنسجم مع مصالح مجتمعاتهم ولا مع استقرارها.

هذا الوعي المتنامي ضيّق المساحات التي كانت شبكات النفوذ تعتمد عليها، وأضعف قدرتها على إيجاد واجهات اجتماعية أو بيئات حاضنة. ومع انحسار قابلية المجتمع للاختراق، فقدت هذه الشبكات أحد أهم عناصر عملها: القدرة على التخفي داخل نسيج اجتماعي صامت أو متعاطف.

وفي موازاة هذا التحول الاجتماعي، كشفت القضايا الأخيرة عن تطور نوعي في الوعي الأمني والمؤسسي الخليجي. فالتعامل مع التهديد لم يعد يبدأ عند التنفيذ، بل عند تشكّل الفكرة وبناء الشبكة. انتقلت المقاربة من رد الفعل إلى التفكيك المبكر، ومن التعامل مع النتائج إلى تعقب المقدمات، ما جعل أي محاولة للاختراق قصيرة العمر ومحدودة الأثر.

تكشف هذه الوقائع أن الشبكات المرتبطة بإيران داخل الخليج لا تمتلك بنية حقيقية أو قدرة ذاتية على الحركة. فهي مجموعات صغيرة، محدودة الأدوات، تعتمد على التوجيه الخارجي أكثر من اعتمادها على أي حضور داخلي. وما إن تُرصد حتى تتفكك بسرعة، لأن قدرتها على التخفي أكبر من قدرتها على الفعل، ولأنها تعمل في بيئات لا تمنحها أي غطاء اجتماعي أو سياسي.

وفي المقابل، يظهر من طريقة التعامل معها أن الأجهزة الأمنية الخليجية باتت تمتلك قدرة عالية على قراءة التهديد في مراحله المبكرة، قبل أن يتحول إلى خطر فعلي. هذا النوع من العمل الاستباقي لا يعتمد على ردود الفعل، بل على فهم عميق لطبيعة التهديد، وعلى تطوير أدوات رصد وتحليل تجعل أي محاولة للاختراق محدودة وقابلة للتفكيك.

وبذلك، يتأكد أن مشروع النفوذ الذي يتحرك عبر خلايا سرية لا يستطيع أن يجد لنفسه موطئ قدم في بيئات مستقرة ومحصّنة. ومع كل عملية كشف، يتراجع هذا المشروع خطوة إضافية، فيما تتقدم المؤسسات الخليجية بثبات في بناء منظومة أمنية قادرة على حماية المجال الداخلي من أي محاولة تستهدف استقراره أو وحدته.

وتبقى الحاجة إلى يقظة مؤسسية مستمرة أمرًا حتميًا، ليس فقط لرصد أي أنشطة تتحرك خارج الإطار النظامي للدولة والمجتمع، بل أيضًا لمتابعة أي ارتباطات أو ولاءات خارجية قد تُستغل للتأثير في البيئة الداخلية. كما يظل الوعي العام عاملاً حاسمًا في الحد من محاولات توظيف الخطاب الديني أو استثمار العاطفة الدينية لتحقيق مكاسب تنظيمية أو سياسية، وهي محاولات أثبتت التجارب أنها تستهدف بنية الدولة قبل أي شيء آخر. إن ترسيخ هذا الوعي، إلى جانب كفاءة الأجهزة المعنية، يشكلان معًا منظومة ردع تمنع أي مشاريع موازية من التمدد أو إيجاد موطئ قدم داخل الإطار الوطني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.