منذ أكثر من 150 سنة الماضية تتعامل الأنظمة التي تحكم أجزاء كردستان الأربعة مع الحقوق القومية الكوردية بسياسة الحديد والنار والقمع السلطوي. ولا تكتفي بعض تلك الأنظمة برفض الحديث عن وجود قضية قومية أصلًا في بلادها، بل تنكر إنكارًا قطعيًا وجود حتى هوية قومية خاصة بالشعب الكوردي. ونتيجة لهذه السياسة العنصرية شنت هذه الأنظمة العديد من الحروب المتتالية ضد الثوار الكورد في جميع أجزاء كوردستان، وصلت حدتها في بعض الأحيان إلى استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا وارتكاب جرائم الإبادة البشرية.
لنبدأ أولًا بتركيا العثمانية التي مارست عمليات إبادة ضد الكورد في أواخر عهد إمبراطوريتها المريضة، لتأتي الأتاتوركية بعد ذلك تكمل المسيرة ويصل الأمر بها إلى حد مسح الهوية القومية عن كورد تركيا وتسميتهم بـ"أتراك الجبال". وفي الجزء الإيراني لم يكتف نظام البهلوي بإسقاط جمهورية مهاباد الكوردية المستقلة، بل أعدم قادتها ومارس نفس السياسة الشوفينية ضد الشعب الكوردي هناك، وحاربت طوال 70 سنة القوى الكوردية المطالبة بحقوقها القومية المشروعة. ثم جاء نظام الخميني الذي هو امتداد طبيعي للحكم العنصري الفارسي ليمارس نفس سياسة القمع والاضطهاد ضد الشعب الكوردي هناك.
والحكم البعثي في العراق له حكايات وروايات يطول شرحها حول مديات القمع والاضطهاد الذي تعرض له كورد العراق على يد جميع الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الإطاحة بالنظام الملكي وتأسيس الجمهورية العراقية، ووصلت سياسات نظامي البعث الأول والثاني إلى أقصى درجات العنف والوحشية إلى حد ارتكاب جريمة القصف الكيمياوي لمدينة حلبجة وعمليات الأنفال الوحشية. أما البعث السوري فلم يكتف بممارسة أقصى سياسة شوفينية حاقدة ضد الشعب الكوردي هناك، بل حرمهم حتى من حق المواطنة والتجنس بجنسية البلد الذي يعيشون فيه منذ مئات السنين. وللتذكير فإنه لحد سقوط نظامي البعث في العراق وسوريا كانت هناك اجتماعات دورية تعقد بين وزراء خارجية البلدان الأربعة لمعاداة أية تطلعات كوردية نحو الثورة والاستقلال.
المفارقة العجيبة أن كل هذه الأنظمة الشوفينية التي تحارب الشعب الكوردي وتنكر وجود قضية كوردية، حاولت مرارًا خداع العالم بتصوير الثورات والانتفاضات الكوردية بأنها حركات انفصالية يقودها عصاة وخونة منعزلين عن الشعب الكوردي الذي يعيش مع بقية مكونات البلد بسلام ووئام.
وفي إطار هذه السياسة المخادعة حاولت هذه الأنظمة أن تشارك بعض الكورد المأجورين والعملاء التابعين لها في حكوماتها بهدف تضليل الرأي العام العالمي من جهة، وكسب الشارع الكوردي في بلدانها من جهة أخرى. ونرى مثل هذه المحاولات في جميع الحكومات المتعاقبة على العراق ابتداءً من حكومة عبد الكريم قاسم، مرورًا بحكم البعثيين الأول والثاني، حيث كانت هناك مشاركات رمزية من شخصيات كوردية تابعة أو متعاطفة في الوزارات. بل أن النظام البعثي الثاني شكل برلمانًا صوريًا في كوردستان عقب القضاء على الثورة الكردية وعين شخصًا كورديًا في منصب نائب رئيس الجمهورية الكارتوني. وهكذا فعل النظام الإسلامي في إيران الذي سمح بدخول العديد من النواب الكورد إلى البرلمان وتعيين نائب رئيس جمهورية كوردي هناك أيضًا. وبالنسبة إلى تركيا فقد سمحت أخيرًا قبل عدة سنوات فقط بتأسيس أحزاب كوردية على شرط إبداء الولاء للقومية التركية. ويقال بأن وزير الخارجية الحالي هاكان فيدان هو من أصل كوردي. ولا يستثنى النظام البعثي في سوريا من هذه المحاولات حين أتاحت الفرصة لتأسيس أحزاب كوردية، وأيضًا على شرط الإيمان بعروبة سوريا!
السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه العقود من الإنكار والتضليل والحروب العبثية التي لم يجن أي نظام في المنطقة غير الدمار والخراب في بلدانهم، ألم يحن الوقت لهذه الأنظمة أن تدشن لمرحلة جديدة من السلام والتعايش مع المكون الكوردي بدل كل هذه الدماء التي تراق دون جدوى؟ لماذا تتعايش عشرات القوميات والإثنيات ومن مختلف الانتماءات في دول مثل أميركا وأوروبا، أو حتى دولة مثل الهند التي تضم مئات الأديان والقوميات، ولا تستطيع دول المنطقة أن تتعايش مع الكورد وتنبذ الصراعات والحروب غير المجدية؟ لماذا تصرف هذه الدول مليارات الدولارات في هذه الصراعات وتضحي بأرواح عشرات الآلاف من أبنائها في حروب عبثية لا طائل من ورائها؟
كان النظام البعثي يرفع في عهده شعار مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب محتل ومحروم من حقوقه القومية ويمد يد المساعدة لحركات التحرير في أميركا اللاتينية وأفريقيا، لكنه لم يمد يده للسلام مع شعبه الكوردي في بلده! تركيا التي كانت وما تزال تمد يدها لكل حركة أو تنظيم إسلامي حتى لو كان تكفيريًا، لكنها لا تعترف بمكون كوردي مسلم يعيش على أرضها! والنظام الإيراني الذي يدعي أنه خليفة الله على الأرض ونائب الإمام المهدي المنتظر الذي سوف يأتي ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا، يمد يده للشيطان الأكبر لكنه لا يتوانى للحظة عن ضرب مخيمات اللاجئين الكورد الإيرانيين في كوردستان العراق وضرب البنية التحتية لحكومة إقليم كوردستان.
إنها حقًا مفارقة غريبة، وكما قال رائد النهضة الفكرية والأدبية أديب إسحاق في قصيدته "قتل امرئٍ في غابةٍ... جريمةٌ لا تُغتَفر، وقتل شعبٍ آمنٍ... مسأَلةٌ فيها نظر".


