: آخر تحديث

لماذا يُستهدف إقليم كوردستان؟

3
2
3

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الشرق الأوسط، يعود اسم إقليم كوردستان إلى الواجهة. ليس لأن الإقليم طرف في تلك الصراعات، بل لأن موقعه السياسي والجغرافي يجعله في قلب معادلة إقليمية معقدة. ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومحور إيران من جهة أخرى، بدأ الإقليم يتعرض مجددًا لسلسلة من الهجمات التي طالت مطار أربيل وحقول النفط وحتى بعض البنى التحتية المدنية، في مشهد يعيد طرح سؤال قديم جديد: لماذا يُستهدف إقليم كوردستان؟

خلال الأيام الماضية شهدت أربيل سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محيط مطار أربيل الدولي ومنشآت نفطية، حيث تمكنت أنظمة الدفاع من إسقاط عدد من هذه المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها. وقد أفادت مصادر أمنية بأن 5 طائرات مسيّرة على الأقل أُسقطت في ليلة واحدة قرب المدينة، في تصعيد يعكس حجم التوتر الذي يحيط بالإقليم.

كما تعرضت حقول نفط في الإقليم لهجمات أدت إلى توقف الإنتاج مؤقتًا في بعض المواقع، وهو ما يؤكد أن الاستهداف لم يعد عسكريًا فقط بل بات يطال الاقتصاد والبنية التحتية أيضًا.

لكن قراءة هذه الهجمات بمعزل عن السياق الأوسع ستكون قراءة ناقصة. فإقليم كوردستان منذ عام 1991 حاول أن يقدم نموذجًا مختلفًا داخل العراق؛ نموذجًا يسعى إلى الاستقرار النسبي والانفتاح الاقتصادي والتعايش المجتمعي، في وقت كانت فيه بقية مناطق العراق تغرق في الحروب والصراعات الداخلية. وقد تحولت أربيل خلال العقدين الماضيين إلى مركز سياسي واقتصادي ودبلوماسي مهم، تستضيف قنصليات دولية وشركات طاقة كبرى، الأمر الذي جعلها أيضًا نقطة حساسة في التوازنات الإقليمية.

لعب الكورد دورًا محوريًا في مواجهة الإرهاب، خصوصًا خلال الحرب ضد تنظيم داعش. ففي عام 2014، عندما انهارت قطعات عسكرية عراقية أمام تقدم التنظيم، كانت قوات البيشمركة من أوائل القوات التي تصدت له، ليس فقط دفاعًا عن مدن الإقليم بل عن العراق بأسره. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن مئات المقاتلين من البيشمركة سقطوا بين قتيل وجريح خلال تلك المعارك التي امتدت من سنجار إلى كركوك وحتى الحدود السورية. كما شاركت قوات الإقليم في عمليات مشتركة مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وهو ما جعل الإقليم شريكًا أساسيًا في الحرب ضد الإرهاب.

وفي خضم تلك الحرب لعب إقليم كوردستان دورًا إنسانيًا بارزًا قلما حظي بالاهتمام الكافي. فمع اجتياح تنظيم داعش لمدن عراقية واسعة عام 2014 نزح ملايين المدنيين من مناطقهم هربًا من العنف. وقد فتح الإقليم حدوده ومدنه أمام موجات كبيرة من النازحين واللاجئين، حيث استقبل مئات الآلاف من العراقيين الفارين من الموصل والأنبار وصلاح الدين، إضافة إلى عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إقليم كوردستان استضاف في تلك الفترة ما يقارب مليوني نازح ولاجئ، وهو رقم ضخم مقارنة بعدد سكان الإقليم وإمكاناته الاقتصادية. وعلى الرغم من الضغوط المالية والأمنية استمرت مدن الإقليم في احتضان هؤلاء المدنيين وتوفير الحد الأدنى من الأمان والخدمات لهم.

غير أن معاناة الكورد مع الحروب والمآسي لا تبدأ مع داعش. فالتاريخ الحديث لإقليم كوردستان يحمل في ذاكرته واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ المنطقة. ففي عام 1988 تعرضت مدينة حلبجة لهجوم بالأسلحة الكيمياوية في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن العشرون، ضمن حملة الأنفال التي استهدفت القرى الكردية في شمال العراق. وقد أسفرت تلك الحملة عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير آلاف القرى وتهجير مئات الآلاف من السكان.

وبالرغم من تلك المآسي عاد الكورد بعد عقود ليجدوا أنفسهم مرة أخرى في خط المواجهة، هذه المرة ضد تنظيم داعش. وقد قدم إقليم كوردستان آلاف الشهداء في معارك التحرير، حيث قاتلت قوات البيشمركة على جبهات طويلة امتدت لمئات الكيلومترات، وكانت في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول عن مدن العراق وعن المنطقة بأسرها عندما كان خطر التنظيم يهدد بالتمدد.

وبالرغم من هذا الدور وجد الإقليم نفسه خلال السنوات الأخيرة تحت ضغط مزدوج: ضغط أمني يتمثل في الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وضغط اقتصادي نتيجة الخلافات المالية مع الحكومة الاتحادية في بغداد. فقد تعرضت موازنة إقليم كوردستان إلى قطع أو تأخير مرات عديدة خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى أزمات مالية أثرت مباشرة على رواتب الموظفين والخدمات العامة. ومع ذلك استمر الإقليم في الاستثمار والبناء ومحاولة الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين اليوم هو: لماذا يُراد لإقليم كوردستان أن يكون ساحة في صراع لا علاقة له به؟

جزء من الإجابة يتعلق بالجغرافيا السياسية. فالإقليم يقع عند تقاطع مصالح عدة قوى إقليمية ودولية، ويستضيف أيضًا وجودًا عسكريًا لقوات التحالف الدولي قرب مطار أربيل. وقد أشارت تقارير إلى أن جزءًا من القوات الأميركية في العراق يتركز في الإقليم ضمن مهام التحالف ضد تنظيم داعش. هذا الوجود يجعل الإقليم، في نظر بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور إقليمية، هدفًا للضغط غير المباشر على أميركا.

لكن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية. فاستقرار إقليم كوردستان ونموه الاقتصادي يشكلان، في نظر بعض القوى، نموذجًا سياسيًا مختلفًا داخل العراق. وقد تعرض الإقليم خلال السنوات الماضية لعشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بعضها استهدف قواعد عسكرية للتحالف الدولي، بينما طال بعضها الآخر منشآت مدنية أو اقتصادية.

مع ذلك بقيت سياسة الإقليم الرسمية قائمة على محاولة تجنب الانخراط في صراعات المحاور. فقد حاولت القيادة السياسية في أربيل مرارًا التأكيد على أن الإقليم ليس طرفًا في أي مواجهة إقليمية، وأن أراضيه لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.

تكرار استهداف إقليم كوردستان لا يمكن فهمه فقط باعتباره حادثًا أمنيًا عابرًا، بل هو جزء من صراع أوسع على النفوذ في المنطقة. فكلما اشتدت التوترات الإقليمية أصبحت المناطق الأكثر استقرارًا هي الأكثر عرضة للضغط، لأنها تمثل نقاط توازن حساسة في المشهد الجيوسياسي.

يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي قائمًا:
هل يُعاقَب إقليم كوردستان لأنه حاول أن يكون مساحة للاستقرار في منطقة تعيش على إيقاع الحروب؟

وبالرغم من كل الضغوط يواصل إقليم كوردستان محاولة الحفاظ على ما بناه خلال العقود الماضية: تجربة سياسية تسعى إلى قدر من الاستقرار داخل عراق لا يزال يبحث عن توازنه. وقد لا يكون هذا المسار سهلًا في منطقة تعيش على وقع الصراعات المستمرة، لكنه يعكس إرادة سياسية واجتماعية ترى في الاستقرار خيارًا استراتيجيًا لا مجرد ظرف مؤقت.

التاريخ الكردي الممتد عبر قرن من المآسي والتحولات يثبت أن هذه الأرض دفعت أثمانًا باهظة من الدم والدموع؛ من مأساة حلبجة إلى حملة الأنفال، وصولًا إلى آلاف الشهداء الذين سقطوا في مواجهة تنظيم داعش دفاعًا عن العراق والمنطقة. ومع ذلك لم تتحول هذه التجربة إلى دعوة للحرب، بل إلى محاولة لبناء مساحة من التعايش والاستقرار.

يبقى السؤال الأهم اليوم:

هل يمكن حماية هذا النموذج من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لصراعات الآخرين؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل إقليم كوردستان وحده، بل ستكشف أيضًا ما إذا كان الشرق الأوسط قادرًا على حماية مناطق الاستقرار القليلة فيه، أم أنه سيواصل دفعها إلى قلب العواصف التي تحيط به.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.