الحنين الزائف ليس ذكرى، بل خيالًا عاطفيًا. لا يأتي من ماضينا، بل من ماضٍ مستعار ورثناه من الأفلام والكتب والصور والحكايات. إنه حنين إلى ما لم يُعَش، شوق قد يذكّرنا بمصطلح saudade باللغة البرتغالية، وإن لم يكن هو نفسه تمامًا. كما يسميه الفرنسيون mémoire inventée، “ذاكرة مُختلَقة”، وله خاصية غريبة: يتجذّر فينا بالقوة نفسها التي تتجذّر بها الذكريات الحقيقية. وقد استشعر “والتر بنيامين” هذا المعنى حين كتب أن الماضي يُبنى انطلاقًا من الحاضر، لا بوصفه زمنًا ميتًا، بل “زمنًا ممتلئًا بالآن”.
لقد ضاعفت شبكات التواصل الاجتماعي من حدّة هذا الإحساس. نعيش محاطين بصور تقترح علينا نسخة جمالية، وغالبًا مثالية، من الماضي: فلاتر، أسطوانات الفينيل وهي تدور، سيارات قديمة، أزياء عتيقة، وأصوات تناظرية. كأن الماضي تحوّل إلى صنف جديد من الاستهلاك. نحن مستهلكو ماضٍ، لكنه ليس ماضينا. إنه حنين مُصنَّع سلفًا، كديكور من كرتون مزيف، ومع ذلك ينجح في إثارة مشاعرنا. غير أن ما يحرّكنا ليس حقيقة ذلك الماضي بقدر ما هو الوعد الذي يحمله: ما نتخيله أنه كان، وما نودّ لو أنه كان كذلك.
كانت الشاعرة ماري أوليفر تتساءل: “ماذا ستفعل بحياتك الوحيدة، المتوحشة والثمينة؟”. وهناك من، لعجزهم عن الإجابة من داخل الحاضر، يديرون وجوههم نحو أمسٍ لا ينتمي إليهم. يتشبثون به كما لو كانوا سيجدون هناك جوابًا أو اتجاهًا أو طمأنينة. لكن في العمق، وكما يقول ميلان كونديرا في روايته خفة الكائن التي لا تُحتمل: “الإنسان لا يستطيع أبدًا أن يعرف ما الذي ينبغي أن يريده، لأنه لا يملك سوى حياة واحدة، ولا يمكنه مقارنتها بحيوات سابقة أو تصحيحها في حيوات لاحقة”. بعبارة أخرى: ليس أننا نشتاق إلى الماضي، بل نحاول أن نمتلك حياة مختلفة.
يحمل الحنين الزائف في طياته شيئًا من الملاذ وشيئًا من الفخ. يستقبلنا برفق، بموسيقاه الناعمة، وألوانه الدافئة، ومشاهده التي تبطئها الذاكرة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى شكل من أشكال الهروب: أن نتوقف عن النظر إلى الأمام لأن الماضي، حتى وإن كان متخيّلًا، يبدو أكثر أمانًا. هناك مثالية لا مفر منها. فالماضي البعيد يظهر بلا صراعات أو تناقضات. نتذكر عشرينيات القرن الماضي من خلال موسيقى الجاز، لا من خلال الكساد العظيم الذي أعقبها. نُفتَن بموضة الخمسينيات، لكننا ننسى البُنى الاجتماعية القمعية التي كانت سائدة آنذاك.
هناك شباب اليوم من يشعر بالحنين إلى الدكتاتورية دون أن يعرف حقيقتها، أو إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي كما لو كانت زمن نظام وانسجام، أو إلى ثمانينيات القرن الماضي، وكأنها لم تكن سوى موسيقى سينثيسايزر وصداقة بلا شاشات.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم، بل يطال المجتمعات أيضًا. فهناك حركات سياسية تتغذى على هذا الحنين، واعدة باستعادة عظمة مفقودة، أو عصر ذهبي لم يوجد في الواقع قط. تُحرَّك الرموز، والأعلام، وخطابات ماضٍ مُؤطَر. لكن، كما حذّر جورج أورويل: “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل”. لذا، من الضروري تعلّم النظر إلى الماضي بعمق، لا كبطاقة بريدية، بل كحيّز معقّد ومتناقض. أن نتذكر أن لكل حقبة جمالها وألمها، موسيقاها وصمتها.
ومع ذلك، فهذه المشاعر المصنوعة ليست عديمة الجدوى تمامًا. فقد قال غابرييل غارسيا ماركيز: “الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره”. وربما يكون هذا الحنين المختلَق طريقتنا في إعادة كتابة العالم، وفي البحث داخل ما كان، أو ما كان يمكن أن يكون، عن بذور لما يمكن أن يكون. حين تؤثر فينا أغنية قديمة لا نعرفها، أو صورة غريبة نشعر بأنها تخصّنا، فنحن لا نهرب فحسب، بل نرسم، في العمق، خريطة رغباتنا الأعمق: التوق إلى التواصل، إلى الأصالة، إلى الجمال. وفي هذا الشعور أيضًا بعدٌ تربوي: رغبة في فهم من أين أتينا، حتى وإن لم نعشه بأنفسنا.
في النهاية، الحنين الزائف مرآة. لا يعكس ما كان، بل ما نشتاق إليه؛ ما ينقصنا، ما نظن أننا فقدناه، وما لم نبنه بعد. إنه بوصلة عاطفية تشير إلى مكان لا وجود له، لكن اتجاهه يحمل معنى بالنسبة إلينا. لذلك، بدل أن نخجل من الإحساس به، علينا أن نتعلم التعرّف عليه: أن نفهم أنه ليس ذاكرة، بل رغبة؛ ليس تاريخًا، بل خيالًا؛ ليس ماضيًا، بل صورة من المستقبل متنكرة في هيئة ماضٍ.


