: آخر تحديث

من "عصبية" ابن خلدون إلى "إدراك" هيكساجون: هندسة السيادة في القرن الحادي والعشرين

4
4
4

في مقدمته الشهيرة، صاغ ابن خلدون قانونًا صارمًا لبقاء الدول: "العصبية". لم تكن العصبية في سياقه مجرد رابطة اجتماعية، بل قوة جامعة تمنح الجماعة القدرة على الممانعة، وبناء الملك. كانت عصبية زمن الخيول والسيوف، حيث تتجسد القوة في التلاحم المادي والولاء المباشر.
اليوم، ونحن نعيش في عالم تحكمه الرقائق والبيانات، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: كيف تبدو العصبية في عصر السيادة الخوارزمية (ASC)؟ وأين تتموضع في عالم لم تعد فيه السيطرة تُقاس بالأرض وحدها، بل بالقدرة على توجيه الإدراك وصناعة المعنى؟

الإجابة لا تأتي من كتب التاريخ وحدها، بل من قلب التحولات الجارية في رؤية السعودية 2030، حيث نشهد انتقالًا نوعيًا من العصبية التقليدية إلى ما أصطلح عليه بـ "العصبية الإدراكية" (Cognitive Solidarity).

هيكساجون: توطين العقل السيادي
عندما تستثمر المملكة مليارات الدولارات في مدينة "هيكساجون"، وتستقطب أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي، فهي لا تقوم بعملية "شراء تقنية"، بل بعملية أعمق: توطين للعقل. هيكساجون ليست مجرد منطقة صناعية ذكية، بل هي "المختبر السيادي" الذي تتحول فيه الرقائق من مكونات صامتة إلى خلايا عصبية للدولة؛ تعالج البيانات محليًا، وتتعلم من البيئة الوطنية، وتعمل وفق منظومة قيم ومصالح سعودية خالصة.
إن امتلاك القدرة على معالجة البيانات داخل الحدود، وبناء خوارزميات تفهم الثقافة والسياق السعودي، هو الضمانة الحقيقية لئلا يصبح الوعي الجمعي رهينة لـ "إدراك عابر للحدود" يُصاغ في مختبرات الغرب أو الشرق وفق أولويات قوى أخرى.

السيادة الإدراكية: الحصن الجديد
إذا كانت الأسوار في الماضي تحمي المدن، فإن «الخوارزمية السيادية» هي التي تحمي العقول اليوم. نحن أمام تطور طبيعي لمفهوم السيادة: من سيادة الأرض، إلى سيادة القرار، وصولاً إلى السيادة الإدراكية (Cognitive Sovereignty).

استثمار الرؤية في البنية التحتية الرقمية هو "الجسد"، أما "الروح" فهي تلك المناعة التي يكتسبها المجتمع حين يمتلك منطق قراره الرقمي. نحن لا نبني مراكز بيانات فحسب، بل نبني عقلاً سياديًا يُدار بلغته، ويفكر بمصالحه، ويحمي إنسانه من التحول إلى مجرد «نقطة بيانات» في نماذج التنبؤ الأجنبية.

الحكومة الديناميكية والزمن السياسي
هنا يتجلى جوهر "الحوكمة الديناميكية": إدراك أن الزمن السياسي (T-Score) عنصر سيادي لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية. السرعة التي تُبنى بها هيكساجون ليست سباقاً مع الزمن الفني فحسب، بل هي أداة لحماية "الزمن السياسي" للمملكة. فكلما امتلكنا أدوات الإدراك مبكرًا، امتلكنا القدرة على تشكيل المستقبل بدلاً من التكيف القسري معه.
الخاتمة

التحول الرقمي السعودي هو عملية «تأصيل سيادي» بامتياز. لقد أدركت القيادة أن عصبية القرن الحادي والعشرين لم تعد تُبنى بالسلاح وحده، بل بالقدرة على حماية الإدراك الجمعي. في هيكساجون، لا نصنع منتجات صناعية فحسب؛ بل نصنع «مناعة حضارية» تضمن للسعودية أن تبقى رقماً صعباً، لا في معادلة الاقتصاد فحسب، بل في معادلة الوعي العالمي الجديد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.