تشكّل مجلس التعاون لدول الخليج العربية في سياق تاريخي وجيوسياسي يختلف جذريًا عن السياق الراهن. فقد نشأ في بيئة إقليمية كان التهديد فيها أكثر وضوحًا وتقليدية، وكانت معادلات الطاقة والديموغرافيا وموازين القوة الدولية أكثر استقرارًا نسبيًا. أمّا اليوم، فإن دول المجلس تواجه منظومة تهديدات مركّبة تشمل اختلالات سكانية متصاعدة، وتحولات بنيوية في أسواق الطاقة ومحاولات تقليل الاعتماد عليها، إضافة إلى سيولة جيوسياسية إقليمية ودولية غير مسبوقة. وفي ظل هذه التحولات لم يعد الحفاظ على المصالح الاستراتيجية ممكنًا دون الانتقال من التنسيق إلى التكامل الاقتصادي، ومن التعاون الدفاعي الفضفاض إلى تكتل أمني مؤسسي، ومن تباين السياسات الخارجية إلى أفق سياسي جامع يؤسّس، نظريًا وعمليًا، لمسار اتحادي حقيقي بين دول المجلس.
الأمن الخليجي: ركيزة دائمة بمفهوم متحرك
تكشف متابعة مسار العمل الخليجي أنّ الأمن ظلّ الركيزة الأكثر ثباتًا في بنية المجلس، غير أنّ مفهومه لم يكن يومًا مفهومًا موحّدًا. فقد خضع لتعريفات مزدوجة تتغيّر تبعًا للظروف السياسية والمتغيرات الدولية، ما جعله مفهومًا اجتهاديًا أكثر منه قاعدة معيارية مستقرة. هذا التباين في تفسير الأمن لا ينعكس فقط على مستوى السياسات بل يمتدّ إلى الوجدان الجمعي الخليجي، حيث يتولّد شعور بعدم الثبات والاهتزاز في معنى “الأمن المشترك”، ويضعف الإحساس بوجود مظلة جماعية يمكن الركون إليها في لحظات الأزمات الحقيقية.
المصلحة الوطنية الضيقة ومعضلة الأمن الأعلى
إن الانطلاق من زاوية تحقيق المصلحة الوطنية لكل دولة على حساب مصلحة الأمن الخليجي العليا لا يفضي إلى مكاسب جيوسياسية مستدامة. فالدولة مهما بلغت قدراتها لا تستطيع، منفردة، إنتاج تأثير إقليمي فاعل من دون مرتكزات ذاتية جماعية تخوّلها لعب دور يتجاوز اللحظة الظرفية. والنتيجة المباشرة لهذا المنهج هي التعثّر البنيوي لمسار الاتحاد، وتحول مجلس التعاون من مشروع قوة إقليمية محتملة إلى إطار تنسيقي هش قابل للاختراق والتوظيف المتناقض.
الإشكالية القانونية: التدخلات الخارجية والدفاع المشترك
تتمثّل الإشكالية الأكثر حساسية في تورّط إحدى دول المجلس في تدخلات مباشرة وغير مباشرة في شؤون دول أخرى، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وهو أمر لم يعد خافيًا في المشهد الإقليمي. وهنا يبرز سؤال مركزي: إذا دخلت دولة ما في اشتباك عسكري مع هذه الدولة من منطلق الدفاع عن النفس، فكيف يُفعَّل مبدأ الدفاع المشترك داخل مجلس التعاون؟ وما هو موقف بقية الدول قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، إذا ثبت أن الدولة العضو هي من بدأت سلوكًا مخالفًا لمبادئ القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني؟
Jus ad Bellum: الإطار القانوني لتقييم مشروعية استخدام القوة
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من الانطلاق من قواعد Jus ad Bellum، أي قانون اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة. ويُقصد بهذا المصطلح مجموعة القواعد المستقرة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العرفي، التي تنظّم مشروعية استخدام الدول للقوة المسلحة من حيث المبدأ والشروط والاستثناءات، وفي مقدمتها حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، مع استثناءين محددين: الدفاع الشرعي عن النفس، أو التفويض الصريح من مجلس الأمن.
وفق هذا الإطار، فإن دعم جماعات مسلحة غير تابعة للدولة داخل إقليم دولة أخرى قد يُصنّف بوصفه استخدامًا غير مباشر للقوة، بما يفتح الباب قانونيًا أمام تفعيل حق الدفاع عن النفس من قبل الدولة المتضرّرة. وعليه، فإن أي مطالبة بتفعيل مبدأ الدفاع المشترك لصالح دولة عضو ثبت تورّطها في هذا السلوك تطرح تناقضًا قانونيًا جوهريًا: كيف يُطلب من دول المجلس الدفاع عن فعل يُحتمل أنه مخالف لأسس المشروعية الدولية التي يُفترض أن يشكل المجلس نفسه جزءًا من احترامها؟
الدفاع المشترك بين الالتزام والشرعية
من منظور قانوني صارم، لا يمكن قراءة اتفاقيات الدفاع المشترك بوصفها التزامًا آليًا مطلقًا، بل التزامًا مشروطًا بمشروعية السلوك. فالقانون الدولي لا يمنح غطاءً جماعيًا لأفعال تنتهك قواعده الأساسية، كما أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) تفتح المجال لتعليق الالتزامات في حال وقوع انتهاك جوهري لموضوع المعاهدة وغرضها. أمّا سياسيًا وأخلاقيًا، فإن الانحياز غير المشروط يهدد بتقويض الثقة الداخلية داخل المجلس ويحوّل الأمن الجماعي من أداة استقرار إلى مصدر انقسام وتآكل معنوي.
نحو إصلاح بنيوي للنظام القانوني الخليجي
تكشف هذه الإشكالية أن الخلل لا يقتصر على سلوك دولة بعينها، بل يمتدّ إلى هشاشة الإطار المؤسسي والقانوني الذي ينظّم الأمن الجماعي الخليجي. فغياب آليات ملزمة لتفسير الاتفاقيات أو مساءلة الدول الأعضاء يجعل النظام عرضة للتسييس والانتقائية، ويقوّض قدرته على العمل كمنظومة أمن جماعي حقيقية.
ويستدعي ذلك إصلاحًا بنيويًا شاملًا يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
أولًا، إنشاء محكمة خليجية مستقلة وملزمة تختص بتفسير النظام الأساسي واتفاقيات الدفاع المشترك، والفصل في النزاعات القانونية بين الدول الأعضاء.
ثانيًا، تعديل اتفاقيات الدفاع المشترك بإضافة آلية صريحة لتعليق الالتزامات الجماعية في حال ثبوت انتهاك جوهري من قبل دولة عضو لمبادئ القانون الدولي أو النظام التأسيسي للمجلس، على أن يتم ذلك بقرار مؤسسي جماعي لا بتقديرات سياسية ظرفية.
ثالثًا، بناء إجماع سياسي قانوني حول معايير موضوعية لتحديد ماهية “الانتهاك الجوهري”، بما يمنع التلاعب بالمفاهيم أو توظيفها انتقائيًا لخدمة توازنات مؤقتة.
خاتمة
من دون هذا الإصلاح البنيوي، سيظل النظام القانوني الخليجي عرضة للتآكل، وسيفقد تدريجيًا مصداقيته كإطار حقيقي للأمن الجماعي، لا بوصفه ضمانة للاستقرار بل كمنصة تُدار وفق منطق القوّة لا حكم القانون. وهو مسار إن استمر لا يهدد فكرة الاتحاد الخليجي فحسب، بل يفرّغ مفهوم الأمن الخليجي ذاته من معناه الاستراتيجي والأخلاقي.

