: آخر تحديث
عندما يصبح الجوع بورصة:

كيف يُعاد اختراع الاقتصاد تحت القصف

10
8
7

كان سعر كيس الطحين في حلب خمس دولارات ثم صار ثلاثين، ثم مئة وخمسين. لم يكن الجفاف هو السبب، ولا انقطاع الطرق، بل شيء أكثر إثارة: شخصٌ ما في غرفة عمليات تحت الأرض اكتشف أن الجوع، ذلك الشعور الذي يقرص بطون الأطفال، يمكن تحويله إلى سلعة مالية. في تلك اللحظة، وُلدت بورصة غريبة لا تُدرج فيها أسهم الشركات، بل تُتداول فيها آلام البشر كأرقام متحرّكة على شاشات خضراء.

هذا ليس تشبيهًا أدبيًا، بل معادلة اقتصادية دقيقة تعمل في ظل الصراعات. كلما ارتفع مؤشر الخوف، انخفضت أسهم الإنسانية، وارتفعت أسهم “الضروريات”. إنّه السوق الأكثر قسوة في التاريخ، حيث يكون الوسيط هو صاحب السلاح، والمستثمرون هم من يتحكّمون في خطوط الإمداد، والسلعة هي الحياة نفسها.

في صنعاء، تحوّلت شاحنة مياه إلى شركة مساهمة خاصة، كل أسرة تشتري “سهمًا” شهريًا مقابل خمسين دولارًا لضمان حصتها من الماء. في غزّة، أصبح شحن البطارية الصغيرة مشروعًا استثماريًا ذا عائد يومي قد يصل إلى ثلاثمئة بالمئة. في أوكرانيا، حوّل المزارعون حقول القمح إلى “صناديق تحوّط” ضد تقلّبات الحرب. إنّها ليست فوضى، بل نظام اقتصادي موازٍ يعيد تعريف مفاهيم الملكية والقيمة والتبادل.

المفارقة الأكثر إثارة تكمن في البيانات، فبينما ينخفض الناتج المحلي الرسمي في مناطق الصراع بنسبة أربعين إلى ستين بالمئة، ينمو الاقتصاد غير الرسمي بنسبة مئتين إلى أربعمئة بالمئة. لكن هذه الأرقام تخفي حقيقة مرعبة: كل نقطة نمو في هذا الاقتصاد الحربي تقابلها نقطة انخفاض في مؤشر الكرامة الإنسانية.

هذه التحوّلات الاقتصادية الغريبة ليست ظاهرة جديدة. خلال حصار لينينغراد في الحرب العالمية الثانية، كان سعر قطعة الخبز الواحدة يعادل راتب شهر كامل. في حرب البوسنة، أصبحت علبة السجائر عملة نقدية متداولة. في العراق عام 2003، تحوّلت أسواق الذهب إلى بورصات لتبادل العملات المحظورة. لكن الجديد اليوم هو الاحترافية التي تُدار بها هذه الأسواق، والسرعة التي تتحوّل بها الحاجة إلى فرصة، والمعاناة إلى سلعة.

الدرس الأكثر إيلامًا هو أن هذه “البورصات الجائعة” لا تموت مع انتهاء الحرب، بل تتحوّل إلى كيانات اقتصادية هجينة تندمج مع الاقتصاد الرسمي في مرحلة ما بعد الصراع. تجّار الحرب يصبحون رجال أعمال، وعلاقات السوق السوداء تتحوّل إلى شبكات تجارية شرعية، وأساليب الابتكار القسري تحت الضغط تتحوّل إلى ممارسات عمل يومية.

هذه البورصة الغريبة تطرح سؤالًا وجوديًا: إذا كان الاقتصاد هو نظام توزيع الموارد النادرة، فماذا يعني أن يصبح الجوع، أكثر الموارد إنسانية، مجرّد سلعة في هذا النظام؟ ربما الإجابة الأقسى هي أن الحرب لا تُعيد اختراع الاقتصاد فحسب، بل تُعيد اختراعنا نحن كبشر، فتحوّلنا من كائنات تبحث عن الكرامة إلى وحدات إنتاج واستهلاك في آلة اقتصادية لا ترى إلا الأرقام، حتى عندما تكون هذه الأرقام مكتوبة بدماء البشر ودموعهم.

في ظل دوي المدافع وسحب الدخان التي تحجب سماء المدن، بينما تتهاوى البنايات وتفرّ العائلات من ديارها، قد يبدو الاقتصاد وكأنه أوّل ضحايا الحرب. لكن الأرقام تكشف قصة مختلفة تمامًا، ففي قلب هذا الدمار تُولد حياة اقتصادية غريبة تنبض بجنونها الخاص، حيث تشهد بعض القطاعات نموًا مذهلًا قد يصل إلى ثلاثمئة بالمئة في ذروة الصراع. إنّه عالم موازٍ تتحوّل فيه أدوات الدمار إلى سلع ثمينة. تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن الإنفاق العسكري العالمي قفز بنسبة أربع وثلاثين بالمئة خلال العقد الماضي ليصل إلى اثنين فاصل أربعة وعشرين تريليون دولار في عام 2023، وتُصبح قطعة الخبز أغلى من الذهب، حيث تؤكّد منظمة الأغذية والزراعة أن أسعار الغذاء في مناطق الصراع ترتفع بنسبة تصل إلى ثمانمئة بالمئة فوق المتوسط العالمي.

هذه ليست قصة انهيار بحت، بل رواية معقّدة عن الصمود والابتكار القسري الذي تتجلّى مظاهره في أرقام مذهلة. خلال الحرب العالمية الثانية، قفز الإنتاج الصناعي في أميركا بنسبة ثلاثمئة بالمئة بين عامي 1939 و1944، بينما تضاعف ناتج شركة جنرال موتورز أربع مرات خلال الفترة نفسها، محوّلةً خط إنتاجها من سيارة واحدة كل دقيقة إلى طائرة حربية كاملة كل ساعة. اليوم تتكرّر هذه الظاهرة بآليات مختلفة ولكن بالحدّة نفسها، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن حجم الاقتصاد غير الرسمي في سوريا وصل إلى سبعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات الحرب، بينما تحوّلت صناعة الطائرات المسيّرة المحلية في أوكرانيا من صفر إلى سوق تبلغ قيمته أربعمئة مليون دولار خلال عامين فقط.

تحت الأنقاض، بينما يحاول الأطفال العثور على طريقهم إلى مدرسة لم تعد موجودة، يظهر سوق آخر أكثر ظلمة وإلحاحًا، سوق الطعام الذي تتحكّم فيه شبكات معقّدة حقّقت أرباحًا بقيمة خمسة فاصل ستة مليارات دولار من تهريب النفط السوري وحده بين عامي 2014 و2018 حسب تقديرات البنك الدولي. في هذه الأزقّة الضيّقة حيث يختلط الخوف بالجوع، تتحوّل شبكات التهريب إلى ماكينات اقتصادية ضخمة، وتشير بيانات منظمة الشفافية الدولية إلى أن تجارة السلع الأساسية في الأسواق السوداء تحقّق هوامش ربح تصل إلى ألف وخمسمئة بالمئة مقارنة بأسعار ما قبل الصراع. وفي الظلام الذي يخيم على المدن بعد انقطاع الكهرباء، تتحوّل صناعة المولّدات الصغيرة إلى سوق مزدهر في اليمن وحدها، إذ زاد عدد المولّدات الخاصة بنسبة أربعمئة بالمئة منذ بداية الصراع، مولّدةً اقتصادًا موازياً للطاقة تصل قيمته إلى مئتي مليون دولار سنويًا.

لكن الحرب لا تقتل الاتصال تمامًا، بل تخلق بدائله الغريبة بأرقام مثيرة للدهشة. في غزّة، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن خمسًا وستين بالمئة من السكان يعتمدون على شبكات اتصال محلية غير رسمية بعد تدمير البنية التحتية للاتصالات، بينما في سوريا ظهرت سبع وأربعون شبكة اتصال محلية مستقلة خلال سنوات الحرب. وفي عالم انهارت فيه البنوك، يظهر نظام مالي موازٍ في الصومال، حيث تحوّلت خدمات التحويل المالي غير الرسمية، الحوالات، إلى صناعة تدرّ واحدًا فاصل ستة مليار دولار سنويًا، وهو ما يعادل ثلاثًا وعشرين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. حتى الزراعة تعود إلى شكلها البدائي بمقاييس حديثة، ففي اليمن ارتفعت الزراعة المنزلية بنسبة ثلاثمئة بالمئة منذ عام 2015، منتجةً ما يُقدَّر بأربعين بالمئة من الاحتياجات الغذائية للأسر في المناطق الحضرية.

الأكثر إثارة في هذه القصة الاقتصادية الغريبة هو كيف تتحوّل المهارات اليومية البسيطة إلى مصدر للثراء بأرقام ملموسة. في أوكرانيا، تحوّل خمسة عشر بالمئة من مبرمجي القطاع الخاص إلى العمل في مجال الأمن السيبراني العسكري، محقّقين إيرادات جماعية تصل إلى مئة وعشرين مليون دولار خلال السنة الأولى من الحرب. وفي لبنان، تحوّلت اثنتان وثلاثون بالمئة من الصيدليات إلى مراكز لصناعة الأدوية البديلة محليًا بعد انهيار سلاسل التوريد، مبتكرةً أكثر من مئة وأربعين نوعًا من البدائل الدوائية المصنّعة محليًا.

لكن هذه الأرقام المذهلة تخفي حقيقة مأساوية، فوفقًا لتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، فإن خمسًا وثمانين بالمئة من سكان المناطق المتأثّرة بالصراع يعيشون تحت خط الفقر، بينما يستأثر اثنان بالمئة فقط من السكان بستين بالمئة من الثروة المتولّدة في اقتصاد الحرب. والذي يربح من ارتفاع أسعار الدواء، التي تصل هوامش ربحها إلى ألفين بالمئة في بعض الحالات حسب منظمة الصحة العالمية، هو نفسه الذي قد يموت بسبب عدم توفّره، في دائرة مفرغة من الثراء الفاحش والفقر المدقع.

هذه المفارقات الرقمية تذكّرنا بتجارب تاريخية كبرى. بعد الحرب العالمية الثانية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في أميركا من ثمانمئة مليار دولار إلى واحد فاصل ستة تريليون دولار خلال خمس سنوات فقط بين عامي 1944 و1949، بينما في ألمانيا الغربية قفز الناتج الصناعي بنسبة ثلاثمئة بالمئة خلال عقد الخمسينيات بفضل خطة مارشال التي ضخّت ثلاثة عشر مليار دولار، ما يعادل مئة وخمسين مليار دولار بقيم اليوم. حتى في العصر الحديث، نرى كيف وُلدت خمس وسبعون بالمئة من التقنيات الرقمية الحديثة من أبحاث ممولة عسكريًا، بدءًا من الإنترنت الذي بدأ بميزانية اثنين فاصل اثنين مليون دولار من وزارة الدفاع الأميركية عام 1969، وصولًا إلى نظام تحديد المواقع الذي كلّف البنتاغون اثني عشر مليار دولار قبل أن يتحوّل إلى خدمة مدنية عالمية.

في النهاية، تُثبت أرقام اقتصاد الحرب حقيقة مرعبة، فالقدرة البشرية على خلق الأسواق حتى على حافة الهاوية لا تعوّض عن الثمن الإنساني الباهظ. فبينما تحقّق بعض القطاعات نموًا بنسبة خمسمئة بالمئة، يخسر المدنيون تسعين بالمئة من مدّخراتهم، وبينما تصل هوامش ربح بعض التجّار إلى ألف وخمسمئة بالمئة، يعاني ثمانون بالمئة من الأطفال في مناطق الصراع من سوء التغذية الحاد. إنّه تناقض وجودي نعيشه كل يوم، فالإبداع الاقتصادي البشري لا يعرف حدودًا، لكن ضميرنا الإنساني يجب أن يضع الحدود عندما يكون الثمن هو كرامة الإنسان وحقّه في حياة كريمة بعيدة عن أزيز المدافع وسحب الدخان.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.