حين تُصبح المكوّنات العدو الأقرب
كفاح محمود
في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلّق الأمر بالخارج، لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول.
لننظر إلى المشهد بلا رتوش. في سوريا، وبينما تُرفع شعارات الوحدة وإعادة البناء، تتواصل اليوم في حلب أحداثٌ مأساوية: نزوحٌ جديد، أحياءٌ تتبدّل السيطرة عليها تحت ضغط السلاح، وقلقٌ جماعي من تكرار دورات الانتقام والعقاب الجماعي. والأشدّ ألمًا أن الإدارة السورية الجديدة تُظهر مرونةً محسوبة حين يتصل الأمر بخصوم الخارج أو بتفاهمات الضرورة، لكنها تُحسن استخدام لغة الشروط الأمنية حين تُطرح أسئلة الشراكة الداخلية.
وقبل حلب، كانت العلاقة مع الدروز والعلويين شاهدًا إضافيًا على اختلال البوصلة. بدل بناء عقد مواطنة يطمئن الجميع، تتقدّم لغة التخوين والفرز الاجتماعي، فتتعاظم المخاوف، وتُؤجَّل المصالحة، ويُستبدل الحوار الحقيقي بإدارة أزمة طويلة الأمد. أمّا مع الكُرد، فتتكرّر المعادلة ذاتها: مطالبُ بالحقوق والاعتراف والضمانات تُقابَل بالتماهل والتشدّد، وكأن الداخل لا يستحق ما يُمنح للخارج من حسابات باردة.
وفي العراق، تُدار العلاقات مع واشنطن ضمن مصالح وتشابكات معروفة، لكن حين يصل الملف إلى إقليم كُردستان وحقوقه الدستورية ولقمة عيش مواطنيه، تُستولد إشكاليات لا تنتهي: رواتبٌ تُقطع أو تُؤجَّل، وميزانياتٌ تُستخدم كورقة ضغط، وخطابٌ سياسي يُزايد على الشراكة بدل أن يصونها. ومع صعود التيارات الطائفية، يتحوّل الإقليم من شريكٍ دستوري إلى خصمٍ داخلي، وتصبح لغة الحقوق أقل حضورًا من لغة المناكفة والابتزاز.
ثم تأتي تركيا وإيران كنسختين متقاربتين في جوهر السلوك: مرونةٌ واسعة مع من يُسمّونهم أعداء حين تتطلّب المصالح ذلك، وخشونةٌ مفرطة حين يتعلّق الأمر بالكُرد وغيرهم داخل الحدود أو حولها. تركيا قد تُدير علاقاتٍ معقّدة وتفاهماتٍ إقليمية متغيّرة، لكنها كثيرًا ما تعود في ملف الكُرد إلى مربع الأمننة بدل المواطنة. وإيران، في لحظات الحاجة، تُجيد لغة التفاوض والتهدئة مع الخارج، لكنها تُضيّق على الداخل حين تتصل المسألة بالحقوق والتمثيل والحريات.
السؤال إذن ليس: لماذا تتفاوض هذه الأنظمة؟ فالتفاوض أداة دولة وقد يكون ضرورة. السؤال الأدق: لماذا تتحوّل مطالب الداخل إلى تهديد وجودي، بينما يُعامَل الخارج كطرف يمكن احتواؤه أو مقايضته؟ ولماذا يُقدَّم الأمن ذريعةً دائمة لتعليق السياسة وتعطيل الشراكة وشيطنة أي اختلاف؟
الجواب غالبًا يرتبط بفلسفة الحكم. الخارج يُدار بمعادلات مصالح وضمانات وأوراق ضغط، ثم اتفاق أو تهدئة. أمّا الداخل فيطلب حقوقًا واعترافًا وتوزيعًا عادلًا للسلطة والثروة ضمن دولة مواطنة. هذه مطالب إن تحقّقت تُضعف منطق السلطة المطلقة، وتُقلّص نفوذ الأجهزة، وتُربك شبكات الزبائنية والامتيازات، وتفتح باب المساءلة. لذلك تُفضّل بعض الأنظمة إبقاء الداخل في حالة نزاع مُدار: أزمة لا تنتهي، ملف لا يُغلق، وتفاهمٌ بلا سقف.
الخلاصة المُرّة: عندما يصبح المواطن آخر الأولويات، تتحوّل المكوّنات إلى شماعات، وتغدو الدولة ساحة صراع دائم بدل أن تكون مظلّة جامعة. والمخرج ليس في مزيد من الشعارات، بل في قاعدة بسيطة: اعتراف متبادل، شراكة دستورية واضحة، ومؤسسات تقيس الولاء بالكفاءة لا بالهوية. حينها فقط يصبح الداخل أولى بالاتفاق من الخارج، ويعود الوطن إلى أصحابه.


