: آخر تحديث

مهنة الخيانة

9
10
10
مواضيع ذات صلة

في هذا البحث سوف اتطرق بأختصار إلى مهنة ( الخيانة ) وتحديدا ( خيانة الوطن والشعب)  , والتي تعتبر في العرف الأجتماعي والأنساني والديني من أشنع  وأقبح الجرائم , ومن يقدم عليها يستحق أقسى العقوبات , فكل من باع ضميره ووجدانه ودينه مقابل خفنة من المال وأدار ظهره لوطنه وشعبه واصطف إلى جانب أعداء وطنه سرًا أو علانية  فهو خائن ومرتزق وعميل بكل المقاييس .

لو نظرنا في مجتمعاتنا اليوم لوجدنا ان (مهنة الخيانة)  تطفو على السطح بقوة بعد ان أصبحت الخيانة ظاهرةً خطيرة ومنتشرة بصورة كبيرة ، رغم علم الخائن بأنّ الخيانة هي جريمة لا تغفرلها, فهناك من يعين الظّالم علنا  ، ويصبح عونا له بـ ( لسانه , قلمه , فكره , ارائه و سكوته ) من أجل تحقيق مصالح ومنافع شخصية ومنها (المال المدنّس) . 

الخيانة من اشد الصفات المكروهة والممقوتة : 

لقد حرمت الخيانة من  جميع المذاهب و الدّيانات ( السماويّة والوضعية ) و الدساتير و القوانين والفلسفات, وعليه ما من عُرف أو دين أو عقيدة أو فلسفة أو فكر او قانون او دستور  يبرر خيانة الوطن. 

 وصدق نابليون عنما قال :  ( إن الخائن لوطنه، هو كمثل السارق من مال أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه، ولا اللصوص تشكره) . 

بعد هذه المقدمة المقتضبة نحاول فيما يلي أن نستقرئ باختصار ظاهرة الخيانة كانحراف اخلاقي وسلوكي في أحكام وشرائع ورسالات بعض الاديان وقصصها ( على الرغم من أن كل رسالات الأديان من (أولها إلى آخرها)  تتطابق في محتواها مضمونهاواحكامها تجاه ـ الخائن ـ العميل ـ المرتزق ) ونبدأ أولاً بـ :

1 ـ  الانجيل  :

(فماذا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ ؟ ) هذه هي مقولة ( المسيح ) والتي دونت في الأناجيل الثلاثة : في (مت16: 26؛ مر8: 36؛ لو9: 5) . 

وصف يسوع تلميذه (يهوذا الإسخريوطي) في العشاء الاخير  بـ(ابْنُ الْهلاَكِ).وقال عنه أيضًا : (كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ)  (مت26: 24؛ مر14: 21), وذالك لان (يهوذا الإسخريوطي) خانه وسلمه لرؤساء كهنة اليهود بثمن بخس ( ثلاثين قطعة فضة) . 

والسؤال هو :  كم من امثال( يهوذا ) بيننا اليوم , يبيع  دينه وضميره ومبادئه ووطنه ورفيقه ومعلمه وشعبه بدولارات معدودة  ؟ 

2 ـ القران , الكتاب الرئيسي في الإسلام: 

جاء ذكر الخائن والخايانة في اربعة سورهي : (النساء والأنفال ويوسف وهود) :

جاء في سورة النساء :  ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا 105)) ,  ( وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)  ) 

 وجاء في سورة الانفال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) , (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (71 )  

وجاء في سورة يوسف :أية (52 ) : (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين) . 

كما جاء في سورة هود أية (113) (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) ـ اي لا تميلوا (إلى الذين ظلموا) بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم (فتمسكم) تصيبكم (النار وما لكم من دون الله) أي غيره (من) زائدة (أولياء) يحفظونكم منه (ثم لا تنصرون) تمتعون من عذابه) . ( تفسير الجلالين ) . 

3 ـ الخيانة والخائن في الديانة اليزيدية كما هو مذكور في كتاب الجلوة ( الكتاب المقدس للديانة اليزيدية ) : 

 للأيزيدية كتابان مقدسان هما كتاب (مصحف رش ـ  المصحف الأسود ) و(كتاب الجلوة ) وهو عبارة عن نصائح (ملك طاووس كبير الملائكة ـ مخلوقٌ من نور الله ويعتبر رمز مقدس عند اليزيديين وهو يمثل شعارهم الديني) لأتباع الديانة اليزيدية يبين فيها مدى قوته وأفعاله، وما يقدمه لأبناء طائفته وينصحهم بالابتعاد عن الخيانة. 

جاء في ( الباب الثالث الفصل الرابع النقطة الخامسة من كتاب الجلوة المقدس ) : ( إجتنب الخيانة وأحذرها , فانها وصمة عار لاتمحي )  , وجاء في (الباب الثالث الفصل الرابع النقطة الثانية ) : ( قل الحق أن كنت شريفا ولو كان فيه هلاكك، أتخشى الناس ولا تخشى الله ؟ ) . 

 

4 ـ خيانة العهد والامانة في الديانة الزردشتية , كما هو مذكورفي ( افستا ـ  Avesta) الكتاب المقدس للديانة الزرداشتية : 

(تحث  الديانة الزردشتية الإنسان على الوقوف مع المظلوم ضد الظالم المتجبر وينصح الانسان بالابتعاد عن الخيانة والغدرومعرفة نفسه ليصل إلى ذاته , كما تدعوا الناس إلى توحيد الفكر والقول والفعل: (مينش، كونش، كونيش).

5 ـ  خيانة العهد والامانة في الديانة الصابئية : تعد (الخيانة) من المحرمات في الديانة المندائية , حيث حرم  كتابهم المقدس( كنزا ربا  ـ الكنز العظيم ) ، (الكذب، شهادة الزور، خيانة الأمانة والعهد، الحسد، النميمة، الغيبة، التحدث والإخبار بالصدقات المُعطاة، القسم الباطل ) . 

6 ـ خيانة العهد والامانة في الديانة اليهودية : ورد في (سفر اللاويين ـ Leviticus ـ 19 : 16 ) والذي يشكل جزءًا من التوراة التي تتكون من أسفار موسى الخمس: التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية, ومن الجدير بالذكر ان ( سفر اللاويين ) عُرف  في الماضي باسم(تورات كوهانيم) أي (شريعة الكهنة) . 

ورد في اللاويين : (16 ) (  لاَ تَسْعَ فِي الْوِشَايَةِ بَيْنَ شَعْبِكَ. لاَ تَقِفْ عَلَى دَمِ قَرِيبِكَ. أَنَا الرَّبُّ) (يقصد بالوشاية الافتراء على الآخرين ـ تفسير أصحاح 19 من سفر اللاويين للقمص تادرس يعقوب ـ لا 19 : 18 ) 

كما جاء في نفس المصدر (2 ـ التعامل مع الآخرين )(ع۹-۲۲ ): (لاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَكْذِبُوا، وَلاَ تَغْدُرُوا أَحَدُكُمْ بِصَاحِبِهِ [11], : يقصد بالغدر (الخيانة والعمالة )بكل صورها , وجاء في نفس الفقرة : (سفر اللاويين 19: 18 ))  لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ ) . 

 

7 ـ من هو(  العبد , التابع , الخائن , الذليل  ) الحقيقي عند (سيدهارتا غاوتاما بودا  Buddha Siddharta Gautama ) :

البودية  ـ   Buddhis(بالدّال، وليس بالذال )  :  تعتبر نظاماً أخلاقياً ومذهباً فكرياً مبنياً على نظريات فلسفية ، وتعاليمها ليست وحياً ، وإنما هي آراء وعقائد في إطار ديني , يفضح بودا (الخونة والعملاء )بمقولته الشهيرة  :  ( العبد الحقيقي هو من اتخذ أعداء الحقيقة أولياء له ومعلمين لأنه عما قريب سيصبح كلبهم الأمين ) , وهنا اعتقد ان مقولة  (بودا )واضحة وصريحة لا تقبل التاويل أبدا, فهو يتحدث عن الذين اتخذوا من الظغاة والظلمة  الذين يعيثون في الأرض فسادا، و يظلمون شعوبهم ، و يستذلون الرقاب أولياء لهم , بعد ان اصبحوا (أتباع الطغاة والمستبدين وملعونين مثلهم  ) . 

8 ـ خيانة الوطن جريمة لا تغتفر ومن يقدم عليها يستحق أقسى العقوبات: 

اخيرا لابد من الاشارة الى ان الخيانة  اصبحت  في مجتمعاتنا (مهنة ) وليس فقط و(جهة نظر) على الرغم من انها  تعتبر في العرف الأجتماعي والأنساني والديني من أشنع واقبح الجرائم ,  فهناك اناس على اختلاف قوميتهم ومذاهبم واديانهم باعوا ضمائرهم وارتهنوا لأعداء وطنهم و اختاروا طريق العمالة والارتزاق سبيلاً لإشباع رغباتهم, بعد ان  اصبحت العمالة والخيانة (مهنه وحرفة  لكسب المال والجاه والثراء على حساب الشعوب المظلومة ).

و يرى العديد من الخبراء القانونيين إن  العقوبات يجب أن تكون رادعة  لكل من تسوّل له نفسه أن يبيع ووطنه وشعبه وضميره ووجدانه, وان أيدي العدالة يجب أن تنالهم أينما ذهبوا ومهما استمروا في غيهم وظلالهم.., ويرون إن تخفيف العقوبات والحديث عن أسباب تخفيفية سيصبح نوعاً من دعم ( الخائن ـ المرتزق ـ العميل )وتشجيع العمالة والخيانة . 

 

و قبل الختام اطرح سؤال على قرائي الأكارم , ارجو واتمنى ان يتفاعلوا معه ويكتبوا ارائهم ومداخلاتهم القيمة في خانة التعليقات لإغناء البحث  ,السؤال هو: دوافع واسباب العمالة والخيانة : الاقتصاد فقط أم أسباب أخرى تجعل شخصًا دون سواه يقدم عليها ؟ 

ـــــــــــــــــــــــــ

قائمة بالمراجع

1 ـ الانجيل  , القران  , سفر اللاويين ـ Leviticus, افستا ـ  Avesta , كنزا ربا , كتاب الجلوة , كتاب هكذا تكلم بوذا . 

2 ـ جامع الصلوات والتسابيح» مطبوع في القدس أورشليم 1941 صفحات 191 – 216

3 ـ تفسير أصحاح 19 من سفر اللاويين للقمص تادرس يعقوب ـ لا 19 : 18

4 ـ تفسير الجلالين . 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي