تنطلق من مصراته الليبية قافلة عسكرية باتجاه طرابلس لتثبيت فتحي باشاغا على كرسي رئاسة الوزراء وممارسة سلطته الدستورية إلا أنها لا تلبث أن تعود أدراجها تجنباً لمواجهة عسكرية مع الفصائل الداعمة لرئيس الوزراء المنتهية ولايته عبدالحميد الدبيبة، وكلاهما يرى أنه الأحق بالرئاسة.
رئيسان للوزراء كل منهما يدعي دستورية سلطته وصلاحياته متحزماً ومستنداً إلى مليشيات وفصائل مسلحة متأهبة ومستعدة للقتال وإعادة ليبيا إلى المربع الأول دون أي اعتبار للشعب الذي من المفروض أن الجميع يعمل من أجله، غير أن الواقع يؤكد أن صراع القوى والنفوذ والسيطرة على طرابلس يبقى الهدف الأسمى لكافة الأطراف بعيداً عن أي اعتبارات لمستقبل البلاد والعباد.
تجارب المليشيات المسلحة التابعة لأطرف يفترض أنها سياسية تجارب لا تخطئها العين، إذ أن القفز على حقيقة أن المليشيات هي حبل المشنقة لأي حلول سياسية قفز في الهواء مصيره الفشل، وأي تسويات لا تعالج إشكالية فوضى السلاح لن يكتب لها النجاح وستبقى الاتفاقات التي تراعاها الأمم المتحدة مجرد حبر على ورق يحترق مع إطلاق أول رصاصة حتى لو كانت في طائشة.
ما جرى في ليبيا من تسويات سياسية عُقدت في فنادق الخمس نجوم ليست أكثر من محاولة مكررة من الأمم المتحدة والدول الراعية لتحقيق انتصار سياسي زائف، ففي الوقت الذي كانت تطلق التعهدات السياسية كانت المليشيات تملأ الساحات الليبية وتعيث فيها خراباً وتفرض سيطرتها كما ومتى تريد، فأطراف الحوار السياسي يعلمون تمام العلم بأن لديهم القدرة على النكث بعهودهم بكل بساطة ومليشياتهم جاهزة للدفاع عنهم وفرض الأمر الواقع.
سيناريو 2022 نسخة مكررة لما حدث بين عامي 2014 و2016 لرئيسين للوزراء في الغرب والشرق، وسلطتين تنفيذيتين وفصائل مسلحة متناحرة ولا أحد يدفع الثمن سوى ليبيا وشعبها فيما الجميع يغض النظر عن السبب الرئيسي لما يحدث وهو المليشيات التي إذا لم ينزع سلاحها وحصره بيد الدولة سيبقى الوضع على ما هو عليه.
في لبنان وعند توقيع اتفاق الطائف تم غض النظر عن سلاح حزب الله بحجة أنه سلاح مقاومة واليوم لبنان كله رهينة لهذا لسلاح والتجربة ذاتها في العراق واليمن، وما زالت التجارب تتكرر والآلية ذاتها يتم تبنيها من خلال عقد مؤتمرات للأمم المتحدة ومفاوضات في فنادق جنيف وشخصيات ترتدي الياقة البيضاء فوق الطاولة ويدها على الزناد تحت ذات الطاولة، وبالمحصلة فإن كل ما تقوم به الأمم المتحدة ليس أكثر من "حكي فاضي".

