تغريد إبراهيم الطاسان
ليست الثقة بالنفس تكبرًا، كما أن التواضع لا يعني أن ينتقص الإنسان من قدره أو يتنازل عن حقوقه. وبين المعنيين مساحة دقيقة تحتاج إلى وعي ومراجعة؛ فالواثق يعرف قيمته، ويستطيع التعبير عن رأيه والدفاع عن حقه، لكنه لا يرى نفسه أعلى من الآخرين. أما المتكبر فيجعل من قدراته أو مكانته سببًا للتعالي، وينظر إلى الناس من برجٍ لا يسمح له برؤية إنسانيتهم كاملة. والتواضع في جوهره لا يُلغي قوة الشخصية، بل يهذبها. فالتواضع يعني أن ندرك أن ما لدينا من علم أو نجاح أو مال أو مكانة هو فضل من الله، وأننا مهما بلغنا نحتاج إلى غيرنا ونتعلم من تجاربهم. يقول الله تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (18) سورة لقمان. وفي هذا التوجيه تذكير بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يحمله قلبه من إيمان ورحمة، وما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
ومن منظور الخدمة الاجتماعية، لا يُعد التواضع قيمة شخصية فحسب، بل ضرورة مهنية. فالأخصائي الاجتماعي حين يستمع إلى المستفيد، لا يقف أمامه بوصفه صاحب معرفة يملك الإجابات كلها، وإنما بوصفه شريكًا يساعده على فهم ظروفه واكتشاف قدراته. وكلما خفّف الأخصائي من أحكامه المسبقة، واحترم اختلاف الناس وتجاربهم، استطاع أن يبني علاقة مهنية آمنة تقوم على الثقة والاحترام. أما الشعور بالتفوق، ولو ظهر في نبرة أو نظرة أو مقاطعة، فقد يجعل الطرف الآخر يشعر بأنه موضع تقييم لا موضع فهم.
لكن كيف نحذر من الوقوع في التكبر؟ تبدأ الوقاية بمراجعة النفس: كيف أتعامل مع من لا أحتاج إلى خدماته؟ هل أستمع إلى الرأي المخالف أم أراه تهديدًا؟ هل أعتذر إذا أخطأت؟ وهل أفرح بنجاح الآخرين أم أبحث عن التقليل منه؟ هذه الأسئلة تكشف لنا ما قد تخفيه المجاملات والمظاهر.
ومن وسائل المراجعة أيضًا أن نُبقي لأنفسنا مساحة للتعلم، وأن نتذكر الفضل والمعروف، وأن نُحسن إلى الناس من غير انتظار مقابل أو ثناء. كما أن قبول النقد الهادئ، والاعتراف بالخطأ، وشكر الآخرين على جهودهم، ممارسات صغيرة لكنها تحمي القلب من الاستعلاء.
ولكن ونحن ندرب أنفسنا على التواضع ليكون صفة تقزم الكبر فينا علينا أن ندرك الفرق بين التواضع وإلغاء الذات فلا نخلط بينهما.. فمن حق الإنسان أن يعتز بإنجازه، ويضع حدودًا تحفظ كرامته، ويتحدث عن خبرته بثقة. الفارق أن الثقة تقول: «أملك مهارة وأستطيع أن أتعلم»، بينما يقول التكبر: «أنا أفضل، ولا أحتاج إلى أحد». وبين العبارتين يتحدد سلوكنا تجاه أنفسنا والناس.
إن التواضع لا يصغّر الإنسان، بل يمنحه قربًا من الناس وسعةً في الفهم، والثقة بالنفس لا ترفعه فوقهم، بل تساعده على الوقوف بينهم مطمئنًا. ومن جمع بينهما عاش عزيز النفس، لين الجانب، مدركًا أن رفعة الإنسان الحقيقية ليست في أن يعلو على الآخرين، بل في أن يرتفع بعد توفيق الله بهم.. ويرفعهم معه.

