عبد الله سليمان الطليان
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة تشعبًا؛ فالإجابة عنه لا تأتي واحدة عند الجميع، ولا تستقر على معيار واحد. إنها تتأثر بالدين والمعتقد، والبيئة والثقافة، والجنس، والعمر، والتعليم، والتجارب التي يمر بها الإنسان، وبالصورة التي كوّنها عن نفسه وعن المجتمع من حوله.
لكن قبل أن يسأل الإنسان: أين أجد قيمتي؟ ربما يكون عليه أن يسأل سؤالًا أعمق: لماذا وُجدت؟ وما الغاية من وجودي في هذه الحياة؟
وهنا يأتي التصور القرآني واضحًا في نفي العبث عن وجود الإنسان، يقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
فالإنسان، وفق هذا التصور، لم يُخلق عبثًا، ولم تُجعل حياته مجرد رحلة تنتهي بانتهاء متعها وإنجازاتها ومكانتها الاجتماعية. هناك غاية، وهناك مسؤولية، وهناك رجوع إلى الله. ومن هنا فإن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل فيما يراه المجتمع فيه من مال أو منصب أو شهرة أو قدرة على المنافسة.
في مرحلة الشباب، قد يجد الإنسان قيمته فيما يحققه: في الدراسة، أو الوظيفة، أو المال، أو المكانة الاجتماعية، أو تكوين الأسرة، أو القدرة على المنافسة وإثبات الذات. يصبح الإنجاز وسيلة لإخبار الآخرين، وربما لإخبار النفس أيضًا: أنا موجود، ولي قيمة.
لكن شيئًا ما يتغير مع مرور السنوات.
ففي المراحل المتقدمة من العمر، يبدأ الإنسان في النظر إلى حياته من مسافة مختلفة. تتراجع بعض الأسئلة التي كانت تستحوذ على تفكيره، وتظهر أسئلة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: ماذا صنعت بحياتي؟ ماذا بقي من الأشياء التي سعيت إليها؟ هل كانت قيمتي مرتبطة بما أملك، أم بما أتركه وراءي؟ وهل يحتاج المجتمع إليّ بعد أن تراجعت أدواري السابقة؟
وهنا يلتقي (التأمل في الحياة) مع (البحث عن القيمة في المجتمع).
فالإنسان لا يعيش منفردًا، ولذلك لا تتشكل قيمته كلها داخل ذاته. نحن نكتشف جزءًا من قيمتنا من خلال علاقتنا بالآخرين: في الأسرة، وفي الصداقة، وفي العمل، وفي المعرفة، وفي خدمة المجتمع. وقد يشعر الإنسان في مرحلة معينة أن قيمته كانت مرتبطة بوظيفته أو بمنصبه، فإذا انتهى العمل شعر وكأن جزءًا من هويته قد انتهى معه.
وهذه إحدى المفارقات المهمة في التقدم في العمر: أن الإنسان قد يكون أكثر خبرة وهدوءًا ومعرفة، لكنه في الوقت نفسه قد يتساءل عن موقع هذه الخبرة في عالم لم يعد يطلب منه الدور نفسه الذي كان يؤديه سابقًا.
ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا.
لم يعد: «كم أملك؟»
ولا: «ما المنصب الذي أشغله؟»
بل: «ما الذي أستطيع أن أضيفه؟»
وهذا التحول قد يكون من أكثر التحولات نضجًا في حياة الإنسان. فالقيمة لا تختفي عندما تتغير الوظيفة، ولا تنتهي عندما يقل الدخل، ولا تتحدد بعدد الأشخاص الذين يعرفونك. قد تتحول فقط من قيمة مرتبطة بالإنجاز المباشر إلى قيمة مرتبطة بالحكمة والخبرة والعطاء.
وقد تكون كلمة صادقة في وقتها، أو تجربة تنقلها إلى شاب، أو معرفة تمنحها لمن يحتاج إليها، أو موقفًا إنسانيًا تقف فيه إلى جانب شخص آخر، أكثر قيمة من إنجازات كثيرة كان الإنسان يظن في شبابه أنها المقياس الوحيد لوجوده.
ولذلك فإن البحث عن القيمة في العمر المتقدم ليس بالضرورة علامة على الفراغ أو القلق؛ فقد يكون في بعض الأحيان نتيجة طبيعية لنضج الوعي. الإنسان الذي أمضى عقودًا في الحياة يبدأ في إعادة ترتيب الأشياء: ما الذي يستحق؟ وما الذي لا يستحق؟ ومن هم الأشخاص الذين كانت لهم قيمة حقيقية في حياته؟ وما الأعمال التي بقي أثرها بعد أن انتهت لحظتها؟
وهنا تظهر قيمة (التأمل)؛ فالتأمل ليس انسحابًا من الحياة، وإنما محاولة لفهمها بصورة أكثر عمقًا.
وفي المنظور الديني، لا تُقاس قيمة الإنسان فقط بما يراه الناس فيه من جاه أو مال أو منصب، وإنما بما يحمله من إيمان وتقوى وعمل صالح. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وهذا المعيار يمنح الإنسان مصدرًا للقيمة لا يتوقف على العمر ولا على تغير المكانة الاجتماعية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان بعد رحلة طويلة هو أن يدرك أن قيمته ليست دائمًا فيما (يمتلكه)، وإنما فيما (يكونه)، وفيما (يمنحه)، وفي الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.
فالسؤال في بدايات العمر قد يكون: ماذا أريد أن أصبح؟
ثم يتحول مع التجربة إلى: ماذا حققت؟
أما في مراحل النضج، فقد يصبح السؤال الأعمق: ما قيمة ما حققته، وما الذي يمكن أن يبقى مني بعد أن تنتهي قدرتي على تحقيق المزيد؟
وربما هنا تبدأ مرحلة مختلفة من الحياة؛ مرحلة لا يبحث فيها الإنسان عن قيمته في تصفيق المجتمع، بل يحاول أن يعرف قيمته أمام نفسه، وأمام من يحب، وأمام الله.
فالإنسان لا يحتاج في نهاية الطريق إلى أن يكون مهمًا للجميع؛ يكفي أحيانًا أن يكون (ذا معنى) في حياة من حوله، وأن يعيش مدركًا أن وجوده نفسه ليس عبثًا، وأن قيمة الحياة لا تُقاس فقط بطولها، وإنما بما تحمله من معنى وإيمان وعمل وأثر.

