تأتي محاولة جماعة الحوثي استهداف الرياض، بعد أيام من إعلان التحالف اعتراض مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة، لتؤكد خطورةَ استمرار الأزمة اليمنية على أمن الدول المجاورة. ومع استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، تمتد تداعياتُ هذه الأزمة إلى مصالح العالم، في وقت تتَّسع فيه المواجهات داخل اليمن، وتتواصل الحرب على إيران. وجوهر المشكلة أنَّ جماعة مسلحة تملك قرار الحرب خارج سلطة الدولة، وتستطيع تحميل الآخرين تكلفة هذا القرار. فحين تبقى أسباب الصراع قائمة، يصبح كل اتفاق للتهدئة معرضاً للانهيار عند تغير الحسابات الداخلية أو الإقليمية، ويتحول تأجيل الحل إلى تكلفة أمنية واقتصادية تتسع مع كل جولة تصعيد.
وفي ظل تزايد الضغوط على إيران، اتخذت الجماعة من استهداف مدرج مطار صنعاء في يوليو (تموز) الماضي، الذي قالت القوات اليمنية إنه جاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، مبرراً لاستئناف هجماتها على السعودية وتوسيع نطاق المواجهة. ويعكس هذا التصعيد تلاقي المصالح الإيرانية والحوثية؛ فامتداد تكلفة الحرب إلى دول المنطقة تستغله طهران في مفاوضاتها، كما يستغله الحوثيون.
ويتزامن تهديد الملاحة في باب المندب مع الاضطراب في مضيق هرمز، ما يضاعف المخاطر على التجارة وإمدادات الطاقة. وتكشف الأرقام الدولية عن حجم هذه التكلفة؛ فحسب صندوق النقد الدولي، انخفضت إيرادات قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، في ظل اضطرابات البحر الأحمر. وأفادت «الأونكتاد» في مارس (آذار) 2026 بأنَّ أجور شحن ناقلات النفط ارتفعت بأكثر من 90 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط). وتوضح هذه المؤشرات كيف يتحول تهديد الملاحة إلى خسائر في الإيرادات وزيادة في تكاليف التجارة، حتى من دون إغلاق الممرات بالكامل. ولهذا، فإنَّ تأمين هذه الممرات مصلحة اقتصادية دولية تستدعي تقاسم مسؤولية حمايتها.
وتبرز هنا أهمية التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية في جمع جهود الدول لحماية الملاحة وردع الاعتداءات على السفن. وتكمن قيمته في تقاسم أعباء تأمين الممرات البحرية بين الدول المستفيدة منها، وتنسيق قدراتها بما يتيح استمرار الحماية وسرعة الاستجابة للتهديدات. ويتطلب ذلك مشاركة فعلية في تبادل المعلومات والمراقبة البحرية وتوفير الإمكانات اللازمة، مع وضوح المهام وقواعد العمل المشترك. ومن شأن هذه الجهود أن تحد من قدرة الحوثيين على تهديد طرق التجارة لفرض شروط سياسية، وأن تُعزز ثقة شركات الشحن بسلامة المرور. فنجاح التحالف يرتبط بقدرته على توفير حماية مستمرة تشمل السفن، بصرف النظر عن جنسيتها؛ إذ إن التفاهمات التي تحمي سفن بعض الدول وتترك غيرها عرضة للهجمات تُبقي الخطر قائماً، وتمنح الجماعة مساحة لمواصلة الضغط على الدول منفردة. ولهذا، تقتضي المصلحة المشتركة موقفاً دولياً متماسكاً يربط حرية الملاحة بأمن جميع مستخدمي هذه الممرات.
وتبقى استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها أساساً لسلام مستدام، وهذا يتطلب تكثيف الجهود الدولية لدفع تسوية سياسية وفق المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار «2216». وتوفر هذه المرجعيات أساساً لتسوية تحفظ وحدة اليمن وسيادته، وتتيح لليمنيين بناء مستقبلهم من خلال مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد وحماية مصالحهم.
ويحتاج هذا المسار إلى ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، تدعم مؤسسات الدولة، وتحصر السلاح بيدها، وتضمن مشاركة سياسية يحكمها القانون. ومن المهم أن يلمس اليمنيون أثر التسوية في حياتهم اليومية، من خلال تحسن الخدمات، وحماية المدنيين، ووصول المساعدات، وتوفير فرص العيش الكريم. فكلما ارتبط السلام بتحسن حياة الناس ازدادت فرص استمراره. كما يتطلب نجاح التسوية تعاوناً إقليمياً يحترم سيادة اليمن واستقلال قراره. وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية إيران في الالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ودعم جهود التهدئة، والامتناع عن أي دعم عسكري يقوّض فرص السلام. وتظل معالجة الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها، عبر الآليات الدولية المختصة، جزءاً من ضمان تنفيذ الالتزامات وبناء الثقة في أي تسوية مقبلة.
إنَّ استقرار اليمن مصلحة مشتركة لشعبه وجيرانه والعالم، وهو ما يحمّل المجتمع الدولي مسؤولية مساندة تسوية تُعيد للدولة قدرتها على خدمة مواطنيها وحماية سيادتها، وفق المرجعيات المتفق عليها. فاستعادة اليمنيين أمنهم ومصادر عيشهم وثقتهم بمستقبل بلادهم تمنح السلام أساساً يستند إليه، وتتيح لليمن استعادة دوره في محيطه. وكل تقدم في هذا الاتجاه ينعكس على أمن جيرانه وسلامة الممرات البحرية التي تعتمد عليها مصالح دول وشعوب كثيرة. ولهذا، فإنَّ اهتمام العالم بأمن المنطقة وحرية الملاحة، ينبغي أن يصاحبه التزام متواصل بمساعدة اليمنيين على بناء دولة قادرة على صون السلام، والإسهام في الاستقرار المشترك.

