: آخر تحديث

الرياض.. أخلاقٌ تقود الذكاء الاصطناعي

4
3
2

تغريد إبراهيم الطاسان

كلما اتسعت قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير حياتنا، تعاظمت مسؤوليتنا عن الوجهة التي نسمح له بأن يأخذنا إليها. فالقدرة على ابتكار تقنية مدهشة تظل إنجازًا ناقصًا ما لم يصاحبها وعي يحمي الإنسان، ويضمن عدالة انتفاعه بها.

ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع الوزاري ضمن منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026م والذي عقد مؤخرًا بالرياض، وما حمله من توجهات تدعم التعاون الدولي، وتربط التقدم التقني برفاه البشر والتنمية المستدامة.

لقد عزز الاجتماع، وما أعقبه من بيان دولي مشترك بين المملكة واليونسكو والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي «آيكير»، حضور السؤال الأخلاقي في صميم القرار التقني، وأكد أهمية الاسترشاد بتوصية اليونسكو لعام 2021، بما يوفر أساسًا مشتركًا لتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه على نحو آمن وشامل ومستدام. وتكمن قيمة هذا التوجه في تقريب المواقف الدولية حول تقنية تتجاوز آثارها الحدود، وتحتاج حوكمتها إلى مسؤولية تتجاوزها أيضًا.

وفي تقديري، فإن أبرز ما يستحق التوقف عنده هو الدعوة إلى ترجمة المبادئ إلى أطر وطنية للحوكمة، وتنمية القدرات، وتبادل المعرفة، مع تحفيز الابتكار المسؤول ومعالجة مخاطره.

ويكتسب التأكيد على حماية التنوع الثقافي واللغوي، وتمكين الأطفال والشباب وحماية حقوقهم وسلامتهم الرقمية، أهمية خاصة؛ لأنه يعيد الإنسان، باختلاف لغته وعمره وبيئته، إلى مركز النقاش.

وهذه التوجهات تضع أمام المؤسسات سؤالًا عمليًا: ماذا سيتغير في حياة الناس؟ ففي التعليم مثلًا، يمكن أن يظهر أثرها في أدوات تساعد الطالب على الفهم، وتحفظ بياناته، وتراعي لغته واحتياجاته، وتمنح المعلم قدرة أفضل على أداء رسالته.

وفي الصحة والخدمات العامة، ينبغي أن تعني الحوكمة وضوح المسؤولية، وإمكان مراجعة القرارات، وحماية المستفيد من التحيز والخطأ. هنا تصبح الأخلاق ممارسة يمكن اختبارها.

كذلك، فإن ربط الذكاء الاصطناعي بأهداف التنمية المستدامة يقتضي أن تصل منافعه إلى المجتمعات الأقل قدرة على امتلاك أدواته.

فالتعاون الدولي الذي نحتاجه يشمل بناء الخبرات ونقل المعرفة وتوسيع فرص الوصول، حتى لا تتحول الفجوة التقنية إلى فجوة أعمق في التعليم والعمل وجودة الحياة. ومقياس النجاح، في رأيي، هو مقدار الفرص التي تفتحها التقنية لمن كانت فرصهم محدودة.

ويمنح احتضان المملكة لهذا الحوار العالمي دلالة تتصل بطموحها إلى المشاركة في صياغة مستقبل التقنية وقواعد استخدامها. فقد جمعت الرياض النقاش الأخلاقي بالحوكمة العملية، وأتاحت مساحة للتعاون بين الحكومات والمنظمات والخبراء والقطاع الخاص.

وأقرأ في هذا الحضور استشعار بلادنا لسطوة الذكاء الاصطناعي، وقدرته على إعادة تشكيل الوعي والاقتصاد وأنماط الحياة؛ وهو استشعار يدفع إلى المبادرة، وفهم هذه القوة والإحاطة بأبعادها، وترويض إمكاناتها لما ينفع الإنسان.

فالترويض هنا يعني توجيه القوة بالمعرفة، وضبط أثرها بالمسؤولية، وإبقاء القرار البشري حاضرًا في مسارها. ومن يطمح إلى مكان في المستقبل عليه أن يشارك في وضع قواعده، وأن يمتلك الشجاعة ليسأل عن عواقب التقنية وهو يستثمر في فرصها، وهذا ما يمنح التحرك السعودي قيمته: طموح إلى امتلاك أدوات التقدم، ووعي بمسؤولية استخدامها.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا قبل الاجتماع وبعده: من يتحكم في الذكاء الاصطناعي، ومن يحدد اتجاه تطوره وحدود سلطته؟ وأين موقعنا من ذلك؟ هل سنظل نتلقى ما يصنعه الآخرون، ونتكيف مع الخيارات التي يقررونها لنا؟

إن المشاركة في صياغة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي خطوة مهمة، تكتمل ببناء القدرة على إنتاجه وتطويره، وتأهيل العقول الوطنية التي تفهمه وتختبره وتؤثر في مساره. فالاستقلال التقني يُبنى بالبحث والمعرفة والاستثمار في الإنسان، والشراكات التي تنقل الخبرة وتوطّنها، وحين نمتلك هذه القدرة، يصبح لنا صوت يستند إلى ما ننتجه، ونشارك في تحديد وجهة المستقبل الذي سنعيش فيه.

ويبقى الامتحان الأهم بعد انتهاء الاجتماعات: أن تجد التوصيات طريقها إلى السياسات والمؤسسات والممارسات اليومية، فالإنسان يحتاج إلى ذكاء اصطناعي يستطيع الوثوق به، والمستقبل يستحق أن نبنيه بقدر من الحكمة يوازي ما نملكه من ذكاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد