تلخّص الحالة الحوثيّة عصارة الهزائم العربيّة في بناء الدولة الحديثة. فالجمهوريّة التي أنتجها انقلاب عسكريّ في 1962 تلتها حرب أهليّة وإقليميّة استمرّت ثماني سنوات وأتت بنظام ديدنُه الفساد وشبكات الولاء ولعب القبائل واحدتها ضدّ الأخرى. وباستثناء ثلاث سنوات (1974-7) شهدت محاولة لتأسيس الدولة كطرف يعلو المكوّنات الأهليّة، وانتهت باغتيال صاحبها الرئيس إبراهيم الحمدي، حكم علي عبد الله صالح بين 1978 و2012.
والأخير كان بارعاً في إدارة النفوذ وتوزيعه، كما شهد عهده المديد تطوّرات كرّست العلاقة الأصليّة بين الدولة والجماعات الأهليّة وجعلتها من طبيعة الأشياء. ولأنّ الحروب لازمت ذاك المسار، انتعشت المَيْلشة الناهضة على خطوط مذهبيّة ومناطقيّة. فوحدة شطري اليمن التي نشأت في 1990، إنّما حصلت بعد حربين خاضهما الشطران، في 1972 و1979. ولم تقم الوحدة أصلاً إلاّ نتيجة انهيار سلطة «الرفاق» في عدن، في أعقاب حربهم الضارية فيما بينهم عام 1986. بيد أنّ الوحدة انفجرت بعد أربع سنوات حرباً شماليّة - جنوبيّة، فلم يكن حظّها من النجاح أكبر من حظّ الجمهوريّة.
ففي المختبر اليمنيّ انهارت، بسرعة قياسيّة، أربع أيقونات رفعها عالياً الفكر الراديكاليّ العربيّ، لا كإنجازات مشروطة بظروف وأفعال، بل كإعجاز لا يقبل المساءلة: ففي الجنوب، لم يُفض «التحرّر الوطنيّ» في 1967 إلى وضع يتفوّق، كائناً ما كان القياس، على الحالة الاستعماريّة. وفي الشمال، آلت «الجمهوريّة» إلى حكم يدوّر الفساد وتقاسم النفوذ. ثمّ سقطت «الاشتراكيّة» الجنوبيّة سقوطاً مريعاً، ولم يسعفها الضجيج الذي حفّ بـ«حكم الطبقة العاملة». وأخيراً، وفي الشمال والجنوب، كُتبت لـ«الوحدة» نهاية مأساويّة استمرّت مفاعيلها بعد انتهاء حرب 1994 التي انتهت بانتصار عسكريّ لم تتغيّر بعده طرق اشتغال السلطة.
وكما العملة وقفاها انتعش، تحت ظاهر اليمن الواحد، الحوثيّون والقاعدة أداتي تفكيك وبعثرة.
ففي 1990-91 بدأ المشروع الحوثيّ بإنشاء بدر الدين الحوثيّ «حركة الشباب المؤمن» في صعدة، وبين 2004 و2010 خاض الحوثيّون حروباً متتابعة ضدّ سلطة صالح، كانوا يخرجون بعدها أقوى ممّا كانوا. وفي 2014، وظّفوا «الربيع العربيّ» الذي لم يُقلع كمشروع وطنيّ موحّد واستولوا، بمعونة صالح هذه المرّة، على العاصمة المركزيّة ومعظم الشمال الغربيّ. هكذا تمكّن الحوثيّون من إعادة تقسيم اليمن فعليّاً، بعد ربع قرن على وحدته الاسميّة.
كذلك ترجم التفكّك الوطنيّ نفسه في «القاعدة» التي بدأت مع «مجاهدين» جنوبيّين عادوا من أفغانستان. وفي موازاة الحروب المتتالية واضطرار الأطراف، خصوصاً صالح، إلى عقد تحالفات عابرة معهم، تعاظم حجم هؤلاء.
وفي أواخر 2000، حين كان الحوثيّون يستعدّون لحروبهم، كشفت «القاعدة» وجهها الصريح بتفجيرها المدمّرة الأميركيّة «يو إس إس كول» في عدن، وتحوّل اليمن قاعدة عمليّات للجماعة الإرهابيّة. ولاحقاً، وعبر «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» و«أنصار الشريعة»، وأعمال عنفيّة كثيرة ومدوّية، صار لـ«القاعدة» اليمنيّة نجوم عالميّون كأنور العولقي وإبراهيم العسيري. لكنّ ما فاق ذلك أهميّة أنّ «القاعدة» قويت وانتشرت في المناطق التي شكّلت سابقاً دولة جنوب اليمن.
وإذا كان تطرّف «القاعدة» في الدين والمذهب أمراً لا يعوزه الشرح، فالتطرّف الحوثيّ المقابل وجد مُعينه في عملين غالباً ما تنجزهما الحركات المماثلة: أوّلهما تبنّي المدرسة الأشدّ تطرّفاً في التأويل الدينيّ، وهي هنا «الجاروديّة» نسبةً إلى أبي جارود الكوفيّ الذي، رغم ارتباطه بالإمام زيد بن علي، خالف موقفه المعتدل من الخلفاء الراشدين فلم يعترف بإمامة الخليفتين أبي بكر وعمر. أمّا الثاني فالتحاقٌ بإيران يُرجّح أنّه بدأ قبل ربع قرن، وواكبه اعتماد تسمية «أنصار الله» وإبداء التعاطف مع «ولاية الفقيه» وأدبيّات الثورة الإيرانيّة في العداء لأميركا وإسرائيل وصبّ اللعنة على اليهود. ومع استيلائهم على صنعاء في 2014 اكتشفت طهران أهميّتهم الاستراتيجيّة فرفعت نوعيّاً نسبة مساعداتها لهم.
ويصف الكاتب اليمنيّ محمد جميح كيف انتشرت حينذاك الميليشياويّة التي لا يُشكّ بقوّتها في إغراء الإيرانيّين: «انهارت مؤسسات الدولة، وكان أهم هذه المؤسسات مؤسسة الجيش الذي كان قد تعرض قبلها لهيكلة غير منتظمة، وتجريف كبير (...) وفي ظل تفكك الجيش وسيطرة الحوثي على قياداته في صنعاء، ومع غياب الحماية من بطش الميليشيات، شكلت كل منطقة أو محافظة في اليمن مقاومتها الشعبية، وظهرت حينها تسميات مثل: مقاومة مأرب، ومقاومة عدن، ومقاومة تعز، ومقاومة صنعاء، ومقاومة الضالع، والمقاومة التهامية، ثم جاءت المقاومة الوطنية، وجاءت تشكيلات العمالقة الجنوبية، والنخب المختلفة مثل الشبوانية والحضرمية، وجاءت الأحزمة الأمنية، وظهرت تشكيلات مسلحة مناطقية، بحكم الضرورة، بفعل انهيار الجيش وسيطرة الحوثيين على قيادته وأسلحته».
وبطبيعة الحال ظلّت العلاقات القرابيّة الموسّعة الأساس الصلب لحركة تنسب إلى زعيمها القداسة فتصفه بـ«علم الهدى» و«قرين القرآن»، وتزعم أنّه أشدّ إحاطة بالدين والمعارف الدينيّة من النبيّ نفسه.
... لكنّ هؤلاء الذين فسّخوا اليمن «يتحرّقون شوقاً لمقاتلة إسرائيل في لبنان»، بحسب ما بشّرنا مؤخّراً أحد نوّاب «حزب الله» اللبنانيّ.

