: آخر تحديث

عــودة أصـالــة

3
3
2

ناهد الأغا

حين وقفت أصالة من جديد أمام جمهورها في دمشق، بدا أن الأعوام الطويلة التي فصلت بين مسرح الرحيل ومسرح العودة قد انكمشت فجأة، وهذا ما يمكن وصفه بـ«انكماش الزمن الثقافي»، أي أن الزمن النوعي للذاكرة يتغلب على الزمن الكمي للغياب، لقد عاد الصوت إلى المكان الذي بدأ منه، واستقبله كثيرون كما لو أن شيئا في تلك العلاقة لم ينقطع أصلا، وهذا يؤكد أن الانتماء الثقافي هو علاقة وجودية تشكل الوعي والوجدان.

لا شك أن هناك أشياء في هذا العالم تتجاوز حساب الأعوام، وتمتد أبعد من قياس المسافات، أشياء تسكننا كما يسكننا الهواء، نظن أننا فقدناها، ثم نكتشف في لحظة واحدة أنها كانت دائما قريبة.

الفن واحد من هذه الأشياء؛ ذاكرة تتخذ صوتا وحنين يجد لغة تشبهه،

وحين تعود أصالة نصري إلى دمشق بعد ستة عشر عاما، نقف أمام مرآة كبيرة نرى فيها أنفسنا: كيف نحب، وكيف نغيب، وكيف نعود.

ستة عشر عاما عمر كامل، عمر يولد فيه طفل، ويكبر، ويدخل الجامعة، ومع ذلك، وقفت أمام جمهورها، والقلب الذي انتظرها يحفظ العنوان، ويعرف الطريق.

وتكشف الأرقام حجم الحدث؛ إذ حضر نحو خمسة آلاف شخص، بعد نفاد التذاكر سريعا، فيما قدمت أصالة وصلتين امتدتا في مجموعهما إلى نحو أربع ساعات، متنقلة بين أرشيفها الغنائي ومشروعها الجديد «الألبوم السوري» الذي يضم أربع عشرة أغنية تستحضر ألوانا موسيقية من بيئات سورية متعددة.

أما الجانب الأكثر عمقا، فجاء من العائلة، إذ سبقت الحفلة مفاجأة تلقي أصالة عود والدها الراحل مصطفى نصري هدية من شقيقها، فيما جلست والدتها عزيزة الحلبي بين الحضور.

لكن القصة لم تكن في عدد الأغنيات فقط، بل في المسافة بين أصالة التي غادرت المسرح السوري، وأصالة التي عادت إليه، تلك المسافة، التي صنعتها السياسة والمنفى والانتظار، انكمشت فجأة في لحظة وقوفها على المسرح، وكأن الزمن الوجداني، بلغته الخاصة، قرر أن يتجاوز الزمن التاريخي، وأن يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي: صوت يعود إلى مكانه، وذاكرة تعود إلى أهلها، ووطن يجد في أغنيته ما يشبهه.

ولهذا كانت العودة نفسها بطلة الحفل

وكما أن العواصف، مهما اشتدت، تستطيع أن تهز الأغصان طويلا.. لكنها لا تقتلع الجذور الثابتة، كذلك الفن حين يضرب جذوره في الوجدان، يستطيع أن يغيب، أن يحاصر، أن يؤجل، لكنه يعود.

ختاما؛ بعض الحفلات لها تصفيق يبدأ وينتهي، لكن تلك الليلة لم تبدأ بصعود أصالة على المسرح، ولم تنته بمغادرة آخر شخص، تلك الليلة كانت وثيقة، كتبتها دمشق، بحروف من ياسمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد