: آخر تحديث

قانون... ينظم العمل الخيري

5
4
4

عبدالعزيز الكندري

لم يكن العمل الخيري في الكويت يوماً مجرد مبادرات متفرقة أو استجابات عابرة لحاجات الإنسان، بل كان على مدى عقود جزءاً أصيلاً من شخصية المجتمع الكويتي، ومن حضوره الإنساني الذي تجاوز الحدود.

واليوم، يقف هذا القطاع أمام محطة تشريعية جديدة مع صدور المرسوم بقانون رقم (87) لسنة 2026 بإصدار قانون تنظيم العمل الخيري والإنساني، المنشور في العدد 1808 من جريدة «الكويت اليوم» بتاريخ 13 سبتمبر 2026، والمتضمن 96 مادة، ليضع إطاراً أكثر تكاملاً لتنظيم العمل الخيري والإنساني، من الترخيص والحوكمة والتمويل، إلى الرقابة والشفافية وحماية البيانات والمساءلة.

القانون الجديد لا ينظر إلى العمل الخيري باعتباره مجرد جمع أموال وتوزيع مساعدات، وإنما كمنظومة مؤسسية لها موارد ومسؤوليات وحقوق وواجبات، ومن أبرز التحولات إنشاء «المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني» كشخصية اعتبارية عامة، يتولى تنظيم القطاع ودعم الشفافية والتنسيق بين الجهات ذات الصلة، ووضع الإستراتيجيات والسياسات المنظمة للعمل الخيري، إلى جانب حماية الخصوصية والحد من مخاطر استغلال العمل الخيري في أغراض غير مشروعة.

وهنا تبرز رسالة أساسية للقانون: الانتقال من تعدد الأدوار والإجراءات إلى إطار مؤسسي أكثر وضوحاً، بحيث تصبح الرقابة والتنظيم جزءاً من منظومة واحدة ، وينظم القانون جمع التبرعات، فلا يجوز ممارسة أنشطة العمل الخيري والإنساني أو جمع الأموال خارج الإطار المرخص، كما ينظم موارد الجمعيات وأوجه الإنفاق والتعامل مع الأموال.

ويعزز القانون مبادئ الشفافية والنزاهة والحوكمة، ويربط العمل المؤسسي بالبيانات والإفصاح والرقابة، وهذا يعني أن المؤسسة الخيرية لن تقاس فقط بقدرتها على إطلاق المشاريع وجمع التبرعات، وإنما كذلك بقدرتها على إدارة المعلومات، وتوثيق قراراتها، وتنظيم مواردها ومصارفها، وبناء أنظمة داخلية قادرة على تعزيز ثقة المتبرع والمجتمع والجهات الرقابية.

وفي ظل المعايير الدولية المتزايدة، وضع القانون ضوابط تتصل بمواجهة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحقق من المتبرعين والمستفيدين والشركاء، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق درجة المخاطر، وتوضح المذكرة الإيضاحية أن من أهداف التشريع الحد من مخاطر استغلال العمل الخيري والإنساني في أغراض غير مشروعة، وعلى الأخص جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما يتضمن القانون أدوات للرقابة والمساءلة، إلى جانب منظومة من الجزاءات بحسب طبيعة المخالفة، بما يؤكد أن الثقة التي يمنحها المتبرع للمؤسسة تقابلها مسؤولية في إدارة أمواله وتوجيهها إلى مستحقيها، فالمساءلة هنا ليست نقيضاً للعمل الخيري، بل إحدى الوسائل التي تحميه من الأخطاء وسوء الاستخدام، وتحافظ على استدامته وثقة المجتمع به.

والقانون أحال جانباً من التفاصيل إلى اللائحة التنفيذية، التي نص المرسوم بقانون على صدورها خلال ستة أشهر من تاريخ نشره، كما ألزم الجمعيات والمبرات القائمة بتوفيق أوضاعها بعد صدور اللائحة التنفيذية خلال ثلاثة أشهر.

والعمل الإنساني يعرف أن بعض الاحتياجات لا تنتظر. ففي الكوارث والأزمات، قد تكون كل ساعة جزءاً من المساعدة نفسها، ومن هنا سيكون التحدي العملي هو بناء نظام رقابي قوي، وفي الوقت ذاته سريع ومرن وواضح، يعتمد على التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات قدر الإمكان، حتى لا تتحول الحوكمة إلى سلسلة طويلة من الموافقات تعطل وصول المساعدة إلى مستحقيها.

في النهاية، لا ينبغي النظر إلى قانون تنظيم العمل الخيري والإنساني باعتباره مجرد مواد تحدد ما يجوز وما لا يجوز، بل باعتباره إطاراً لمرحلة جديدة يصبح فيها التبرع أكثر تنظيماً، والقرار أكثر توثيقاً، والمال أكثر حماية، والمستفيد أكثر صوناً، والمؤسسة أكثر مساءلة.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يصنعه القانون وحده. ستصنعه اللائحة التنفيذية حين تترجم النصوص إلى إجراءات واضحة، والمؤسسات حين تحول الامتثال من واجب قانوني إلى ثقافة مؤسسية، والكوادر حين تمتلك المعرفة والأدوات، والقطاع حين يدرك أن الحوكمة ليست نهاية العطاء، بل إحدى الوسائل التي تجعل العطاء أكثر أماناً وأثراً واستدامة.

فالكويت لم تبنِ سمعتها الإنسانية بكثرة ما أعطت فقط، وإنما بما صنعه هذا العطاء من أثر في حياة الإنسان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد