: آخر تحديث

أموال العامة وهيئة السوق المالية 2-5

4
4
3

ماجد قاروب

هيئة السوق المالية من أهم الجهات التنظيمية والرقابية المالية نظراً للدور المحوري الذي تقوم به في تنظيم السوق المالية وحماية المستثمرين وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني فالسوق المالية أصبحت جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية للدولة ووعاءً ضخماً لمدخرات المواطنين واستثمارات المؤسسات والصناديق والشركات الأمر الذي يجعل حمايتها مسؤولية بالغة الأهمية.

منح نظام السوق المالية الهيئة صلاحيات واسعة تمكنها من أداء دورها الرقابي والتنظيمي بكفاءة حيث تشمل إصدار اللوائح والتعليمات المنظمة للسوق، والترخيص لممارسة أعمال الأوراق المالية والإشراف على الشركات المدرجة والتحقيق في المخالفات وطلب الوثائق والمعلومات وإقامة الدعاوى أمام الجهات المختصة وطلب العقوبات بحق المخالفين إضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السوق والمستثمرين من أي ممارسات غير مشروعة تؤثر في عدالة السوق وشفافيته.

إن الأموال التي تجمعها الشركات المساهمة من خلال السوق المالية تمثل أموال العامة من المساهمين والمستثمرين بمختلف فئاتهم، ولذلك فإن مسؤولية حمايتها لا تقل أهمية عن حماية الأموال المودعة في البنوك فكما يفرض البنك المركزي رقابة صارمة لحماية أموال المودعين، فإن هيئة السوق المالية مطالبة بحماية مدخرات المستثمرين ومنع استغلال الشركات وإساءة استخدام مواردها لخدمة مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.

خلال السنوات الأخيرة شهدت السوق المالية صدور قرارات وإعلانات تتعلق بمخالفات مالية وإدارية ارتبطت ببعض الشركات المدرجة وأعضاء مجالس إداراتها وكبار التنفيذيين فيها وقد عكست هذه الإجراءات توجهاً أكثر حزماً في مواجهة مخالفات التلاعب والتضليل والإفصاح غير العادل وتعارض المصالح وضعف الحوكمة، كما أكدت أن الجهات الرقابية أصبحت أكثر قدرة على المتابعة والكشف والمحاسبة بما يعزز مستويات الشفافية والانضباط في السوق.

التحدي الحقيقي لا يتمثل في وجود العقوبات فقط وإنما في مدى قدرتها على تحقيق الردع الكافي فبعض المخالفات قد يترتب عليها الإضرار بحقوق المساهمين أو تحقيق مكاسب غير مشروعة بمبالغ كبيرة وهو ما يستدعي مراجعة مستمرة لفعالية العقوبات المالية والمهنية ومدى تناسبها مع حجم الضرر والمكاسب الناتجة عن المخالفة بما يضمن حماية السوق وتعزيز الثقة فيه.

من أبرز التحديات التي تواجه السوق المالية هيمنة كبار الملاك وأصحاب حقوق السيطرة على قرارات الشركات، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف دور الجمعيات العمومية وصغار المساهمين ويفتح المجال أمام تضارب المصالح والمحاباة واستغلال النفوذ ولذلك فإن حماية المستثمرين تتطلب تعزيز أدوات الحوكمة والرقابة وتمكين المساهمين من ممارسة حقوقهم بصورة فعالة بما يضمن مساءلة مجالس الإدارات، والإدارات التنفيذية عن أي تجاوزات أو مخالفات.

ترسيخ النزاهة والشفافية يتطلب مراجعة مستمرة لكفاءة أعضاء مجالس الإدارات وكبار التنفيذيين والتأكد من التزامهم بالمعايير المهنية والأخلاقية ومتطلبات الإفصاح والحوكمة ولا يقتصر ذلك على الأفراد فقط بل يشمل أيضاً الجهات الاستشارية من مكاتب المحاماة التي تمثل جزءاً مهماً من منظومة الرقابة والحوكمة ومعها المكاتب المحاسبية والاستشارات المالية.

حماية أموال العامة ومنهم الصغار والأرامل والقُصّر والورثة وغيرهم ممن قد يتأثرون بغياب المعرفة القانونية أو هيمنة الأطراف الأقوى داخل الشركات.

حماية أموال العامة داخل السوق المالية مسؤولية مشتركة بين هيئة السوق المالية ووزارة التجارة، والإعلام والبنك المركزي وهيئة المحاسبين والنيابة العامة ونزاهة ولكل منهم صفة وصلاحية وقانون يُمكنها من ذلك وعندما تتكامل هذه الأدوار وتُفعّل مبادئ النزاهة والمساءلة وسيادة القانون تتعزز ثقة المستثمرين وتتحقق الحماية الحقيقية لأموال العامة باعتبارها أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية المستدامة، وللحديث بقية..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد