: آخر تحديث

أخطر وأعمق بلاوينا

4
5
5

لا يحتاج المرء لأن يكون خبير تربية وتعليم ليكتشف سوء مخرجات المدارس الحكومية، وحتى بعض «الخاصة» منها، فسوء التعليم هو سبب كل «بلاوينا».

يتطلب التعليم العصري منهجاً ومدرّساً مميزين، وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في توفير الاثنين، وكانت بداية الكارثة، في منتصف الستينيات، مع قرار «تكويت» التعليم، حيث تم حينها قبول «أيٍّ كان» للقيام بأنبل وأخطر مهنة، وكان بينهم رفاق، لا أثق بهم حتى في «تسريح» نعاج جدي «جاسم»!

من أسس تطوير أي منهج أن يكون شاملاً كل المراحل، ضمن فلسفة واضحة، وخطة متفق عليها، فصناعة دولاب سيارة لا يمكن أن تتم بمعزل عن بقية مواصفاتها.

قامت وزارة التربية، في الصيف الماضي، وقبل بدء العام الدراسي بثلاثة أشهر، بالإعلان عن وضع منهاج دراسي جديد للمرحلة الابتدائية، وسيتم الانتهاء منه ومراجعته، وطباعته وتوزيعه، قبل بداية السنة الدراسية. كان واضحاً الارتجال في الموضوع، وطبعاً لم يتم الوفاء بالوعد. وقبل أسبوعين، أعلن وزير التربية أن العمل يجري «حالياً» على تطوير مناهج الصف العاشر (ماذا عن مناهج «المتوسطة»؟ ولِمَ تم القفز عليها؟)، وإن صح ذلك فهذا بحكم الكارثة، ويعني أن الارتجال سيتكرر هذه المرة أيضاً، بغياب فلسفة معروفة، وخطة متكاملة.

ورد في تصريح الوزارة أن 13 لجنة متخصصة، تضم عدداً من «الكوادر الوطنية والخبرات التربوية»، ستقوم بإعداد وتطوير مناهج المرحلة الثانوية وفق أحدث المعايير التعليمية، بما يعكس هوية المجتمع الكويتي وقيمه الوطنية، ويلبي الاحتياجات، ويسهم في إعداد جيل قادر على «الإبداع والمنافسة والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية الوطنية»، وان المنهج سيهدف لمواكبة المستجدات التربوية والمعايير التعليمية المعاصرة (!!).

وأشك في أن معظم من سيتولون القيام بهذه المهام لديهم ما يكفي من تدريب وكفاءة، وعلم بطبيعة المواد الجديدة والفلسفة الكامنة وراءها، وهل تتوافق بالفعل مع خطط وبرامج تقويم معتمدة، تسهم في تحسين البيئة التعليمية، وتسهيل وظيفة المعلم؟ أسئلة صعبة لا أعرف الإجابة عنها.

كما ورد في بيان الوزارة أن الكتاب المدرسي في المناهج الجديدة سيُقسم إلى فصلين دراسيين مستقلين، تحقيقاً للمرونة في عرض المحتوى وتنظيمه، بما يسهم في بناء شخصية واعية ومسؤولة!

ولا أعرف ما علاقة هذا الكلام «الإنشائي» بتقسيم المنهج لفصلين دراسيين؟

كما سيهدف المنهج لخلق طالب قادر على تبنّي السلوكيات الإيجابية، التي تعزز أمن المجتمع واستقراره، وأن التطوير سيرتكز، بشكل أساسي، على تطوير المواد الأساسية، مثل «الإنكليزية» والرياضيات ومواد العلوم بمختلف مجالاتها، وفق المعايير العلمية الحديثة، بما يسهم في رفع كفاءة المخرجات، وتعزيز القدرات العلمية والتحليلية لدى الطلبة، وكان هذا أفضل ما ورد في البيان، وأن المناهج المطوّرة سوف تخلو من أساليب الحفظ والتلقين التقليدية، وأن دورها سيتركز على تنمية مهارات التفكير العليا، وتعزيز مهارات التحليل والاستنتاج وحل المشكلات والبحث والاستقصاء، وربط المعرفة بالتطبيقات العملية والحياتية، وتنمية المهارات الرقمية ومفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الحديثة، إلى جانب تعزيز الوعي بالاستخدام الآمن والأخلاقي للتكنولوجيا.

كلام يسهل قوله، ويصعب كثيراً تطبيقه، Too Good To Be True، فكيف سيتم التركيز على «الإنكليزية» والرياضيات، لطالب في الـ16 من العمر، وصل لتلك المرحلة دون إعداد مسبق لكل المستجدات، وجميعها صعبة، ولم يسبق له أن سمع بها، وكيف سنطلب منه استخدام مهارات التفكير والشك وحثه على السؤال، وهو الذي تدرّب، على مدى ثماني سنوات، على الأقل، على التركيز على الإنصات والحفظ والتلقين؟ وماذا عن إعداد طلبة المرحلة الثانوية للعمل، مع كل التخمة التي لدينا من الخريجين والنقص الحاد في الحرفيين؟


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد