: آخر تحديث

العقل في مواجهة الضمور

3
2
3

بين ذكاء الآلة وكسل العقل يتم تعريف إن عصر «الإنسان 2.0»، بأنه المرحلة التاريخية التي ينتقل فيها البشر من الخضوع للقدر البيولوجي الصرف إلى رحاب «الهندسة الحيوية الرقمية»، حيث تندمج البيانات والذكاء الاصطناعي في صيانة الجسد وترقية وظائفه الحيوية ليتجاوز حدود الضعف البشري المعتاد.

نحن ننتقل من طب يعالج المرض، إلى طب «يدير الحياة» برمجياً، ما يجعل النسخة الثانية من الإنسان أكثر صموداً وأطول عمراً، ولكنها في الوقت ذاته أكثر ارتهاناً للآلة التي تمنحها هذه القوة.

وتكشف الدراسات السريرية أن عشر دقائق فقط من الاعتماد على الحلول الجاهزة للآلة كفيلة بإحداث تآكل فوري في قدرة الدماغ على التفكير المنطقي، حيث تضعف «عضلة التفكير» بمجرد توفر الإجابات المعلبة.

أضحى هذا الكسل انسحاباً تدريجياً للعقل من معركة «العصف الذهني» التي صهرت وعينا البشري عبر العصور؛ فالعقل الذي يتوقف عن مواجهة عناء التحليل والتركيز العميق يبدأ في فقدان مرونته العصبية، ويصبح «هارباً» من التحديات بمعدل الضعف بمجرد غياب السند الرقمي.

نحن أمام مفارقة «الوهن الرقمي»؛ حيث يصبح الإنسان قادراً على العيش لقرن من الزمان بفضل «القلب الصناعي» و»الرئة المبرمجة»، ولكنه يقضي ذلك العمر بعقل يعجز عن صياغة فكرة مبتكرة واحدة دون استشارة «نموذج لغوي». معركتنا الحقيقة تتمثل في صيانة العقل من هذا الكسل الاستراتيجي؛ لأن فقدان السيادة الإدراكية يعني تحولنا من «رواد للتقنية» إلى مجرد «مستضيفين بيولوجيين» لذكاء خارجي يقرر عنا كيف نعيش، وكيف نفكر، وحتى كيف نشعر.

وتبقى الحقيقة الأكثر قسوة، وهي أن هذا الدماغ البشري -الذي يُعد أعظم نعمة عرفها الكون بتريليونات من روابطه العصبية المعقدة- قد بدأ رحلة الضمور القسري، هذا العقل الذي نحت الحضارات وشق البحار بجهد المحاولة والخطأ، يجد نفسه اليوم أمام فائض من «الذكاء الجاهز» الذي يسلب منه لذة الاكتشاف وعناء التعلم.. شئنا أم أبينا.

إن الركون إلى الآلة سيحول ذلك الانفجار الكوني من الخلايا العصبية إلى «أطلال بيولوجية» صامتة؛ فالعضو الذي لا يُستخدم يضمر، والعقل الذي لا يُجهده التفكير يتبدد. إن عبقرية الإنسان التي كانت تتغذى على «ألم السؤال» تحتضر اليوم تحت وطأة «سهولة الإجابة»، ليصبح التحدي الأكبر للجيل القادم ليس في تطوير ذكاء اصطناعي أقوى، بل في إنقاذ ما تبقى من شرارة الذكاء الطبيعي قبل أن تنطفئ تماماً في ليل «الكسل الفائق».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد