منذ اللحظة التي قال فيها الرئيس اللبناني جوزيف عون إن المفاوضات لا تعني التفريط في الحق، وإنه مستعد لتحمل مسؤولية الخيارات، بدا وكأن الخطاب يفتح نافذة على سؤال أعمق من السياسة اليومية، سؤال يتعلق بفكرة لبنان نفسها، وبالحمولة التاريخية التي جعلت هذا البلد النبيه مسرحاً دائماً لتقاطع الإرادات وتنازع المشاريع.
لبنان لم يكن في يوم من الأيام مجرد حدود مرسومة على خريطة، إنما فكرة تتشكل من غناه الإنساني، بلد صغير المساحة كبير التأثير، متعدد الطوائف واللغات والانتماءات، لكنه في الوقت نفسه كان دائماً يعيش على حافة التوتر بين أن يكون وطناً نهائياً أو ساحةً مفتوحة لغيره.
منذ نشأة لبنان الحديث في لحظة الاستقلال، حمل هذا البلد وعداً بالدولة الحديثة، لكنه في العمق حمل أيضاً بذور التنازع الداخلي مع نظام طائفي تشكل كحل توافقي، لكنه تحول مع الزمن بنية إنتاج للأزمات، ومع كل محطة تاريخية كان لبنان يعيد تعريف نفسه بين الدولة الممكنة والدولة المؤجلة.
في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كان لبنان يبدو كواحة ثقافية واقتصادية في المشرق، بيروت المدينة التي تفتح نوافذها على العالم، صحافة حرة، جامعات نشطة، اقتصاد خدمات مزدهر، لكن تحت هذا الازدهار كانت تتراكم خطوط التماس، ومع دخول الفاعل الفلسطيني المسلح وتداخل الحرب الباردة، بدأ لبنان يتحول تدريجياً ساحةً مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية لا يد له فيها.
ثم جاءت الحرب الأهلية كتحول جذري في معنى الدولة، حيث انقسم المجتمع على ذاته، وتداخل الداخلي بالخارج، وتحول لبنان خرائط صغيرة داخل الخريطة الكبيرة، كل منطقة تحمل اسمها وسلاحها وهويتها، وكأن الدولة نفسها تراجعت أمام منطق الفصائل والميليشيات.
«اتفاق الطائف» كان محاولة لإعادة ترميم الكيان، وإعادة إنتاج صيغة التوازن، لكنه رغم أهميته الكبرى أنهى الحرب، ولم ينهِ أسبابها العميقة، بقيت البنية الطائفية قائمة، وبقيت الدولة في حالة تفاوض دائم مع مكوناتها، وبقي السلاح خارج منطق الدولة جزءاً من المعادلة الداخلية والإقليمية.
مع دخول الألفية الجديدة، دخل لبنان مرحلة جديدة من التعقيد، اغتيالات سياسية، انقسام حاد، وصعود أدوار إقليمية مباشرة داخل ساحته، ثم جاءت حرب يوليو (تموز) 2006 لتكشف مرة أخرى عن أن القرار اللبناني ليس بالكامل لبنانياً، وأن الجغرافيا السياسية أقوى من الجغرافيا الوطنية في لحظات الانفجار. وكذلك فعلت الحرب الحالية، بخاصة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ثم بدءاً من الثاني من مارس (آذار) 2026.
في هذا السياق، يصبح كلام الرئيس جوزيف عون عن تحمّل المسؤولية أكثر من مجرد تصريح سياسي، إنه تعبير عن محاولة إعادة تعريف موقع الدولة بين الضغط الخارجي والانقسام الداخلي، بين فكرة السيادة وفكرة البقاء، بين الرغبة في القرار المستقل، وواقع التشابك الإقليمي الذي يحيط بكل تفصيل لبناني.
لبنان الحالي يقف أمام مفترق دقيق، بين وقف إطلاق النار كهدنة مؤقتة وبين اتفاقات دائمة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومحيطها، بين الداخل والخارج، بين السلاح والدولة، وبين الذاكرة الثقيلة، والحاجة إلى مستقبل أقل هشاشة.
لكن لبنان ليس أزمة سياسية، كما يريد المحيط أن يكون، لكنه فكرة ثقافية وروحية، فكرة بلد يرفض الانغلاق رغم انقساماته، بلد يعيش على التنوع، لكنه يدفع ثمن هذا التنوع عندما يتحول انقساماً حاداً، بدلاً من أن يكون مصدر قوة؛ لذلك ظل لبنان في الوعي العربي رئة ثقافية مفتوحة، مساحة حرية نسبية، ومنصة للتجربة الفكرية والإعلامية.
غير أن هذه الرئة كانت دائماً مهددة، كلما تنفس لبنان بحرية أكبر اقتربت منه رياح الصراع، وكأن قدره أن يعيش على حافة التوازن الدقيق بين الحياة والانفجار، بين الدولة واللادولة، بين السيادة والتدويل غير المعلن.
اليوم، ومع حديث الرئيس عون عن تحمل المسؤولية وعن أن لبنان لم يعد ورقة في يد أحد، يظهر سؤال المستقبل بوضوح، هل يمكن لهذا البلد أن ينتقل من كونه ساحة إلى كونه دولة كاملة، هل يمكن أن يعاد تعريف الهوية الوطنية بما يتجاوز الطوائف نحو مفهوم المواطنة، وهل يمكن للذاكرة المثقلة بالحرب أن تتحول قاعدةً لبناء مختلف.
إن فكرة لبنان في جوهرها ليست في مؤسساته وحدها إنما في قدرته على النجاة المستمرة، وعلى إعادة إنتاج نفسه رغم الانكسارات، وعلى البقاء رغم العواصف، لكنه اليوم يحتاج إلى أكثر من النجاة، يحتاج إلى قرار تاريخي بإعادة تأسيس المعنى، معنى الدولة، ومعنى السلاح، ومعنى الانتماء.
لبنان الذي وُلد من توازنات دقيقة، يقف الآن أمام احتمالين، إما أن يبقى في منطقة الرماد السياسي، حيث تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، أو أن ينجح في التحول إلى دولة حقيقية تستوعب تنوعها، بدلاً من أن يتم استهلاكها بسبب هذا التنوع.
وفي كل الأحوال يبقى لبنان فكرة أكبر من حدوده، فكرة عن التعدد في منطقة تميل إلى الصلابة، وعن الحرية في فضاء مثقل بالصراعات، وعن إمكانية الدولة في أكثر البيئات تعقيداً؛ ولذلك فإن أي حديث عن مستقبله ليس حديثاً عن جغرافيا فقط، إنما عن معنى البقاء نفسه.
في اعتقادي أن لبنان الآن في لحظة انعتاق، رغم الغيلان التي تنقض عليه من الداخل والخارج.

