: آخر تحديث

المثالية الزائفة

4
3
3

في هذا العصر المعقد والملتبس، ما أكثر الأوهام والتخيلات التي قد يتبناها الإنسان، والتي قد تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على فكره وسلوكه، بل وقد تُحدد ملامح وتفاصيل شخصيته وذاته، وهم المثالية وبلوغ الكمال، أحد أهم وأخطر تلك الأوهام والمتبنيات التي تُصيب شريحة ما من البشر، وهنا لا يهم على الإطلاق حجم أو نسبة هذه الشريحة، صغيرة أم كبيرة، فهذا المرض الاجتماعي خطير ومدمر، وله امتدادات وتأثيرات خطيرة وكارثية على الفرد ومنظومة المجتمع بشكل عام.

والمقصود بهذه المصطلحات: المثالية الزائفة أو المفرطة والكمال المستحيل أو المتخيّل هو التوقعات العالية جدا التي يرسمها أو يفترضها المصاب بهذا الوهم لكل علاقاته وتعاملاته مع الأشخاص والأشياء، وحتى تقترب الصورة أكثر، أنقل لك هذه التجربة الشخصية التي عايشتها عن قرب مع أحد الأدباء المصابين بوهم المثالية والكمال المستحيل:

فقد استغرق هذه الأديب سنوات طويلة من عمره لا ينشر كتبا بسبب هذه الأوهام والتخيلات، فكان يُصاب بالهلع الشديد بمجرد أن يُقرر دفع مسودة كتاب للناشر، ويُعيد كتابة وتنقيح وحذف وإضافة وتعديل تلك المسودة، يُكرر ذلك كثيرا، وفي نهاية كل مرة، يتراجع عن نشر ذلك الكتاب. ولقد أثر ذلك التردد والخوف على شخصيته، بل وعلى كل حياته، فقد تجاوز ذلك الأديب مسألة القلق المعتاد والخوف الطبيعي الذي ينشأ نتيجة القرار الذي قد يتخذه أي كاتب، وتلك بدافع المسؤولية والرغبة بتقديم نتاج رائع، تلك مخاوف وهواجس طبيعية تحدث للكل، ولكن ما يحدث لصاحبنا تجاوز كل ذلك، وتحوّل الأمر معه لمثالية زائدة جدا، بل وإلى كمال مستحيل، فهو يُريد أن ينشر كتابا هو أقرب للكمال المستحيل، رافعا سقف توقعاته إلى حدود لا يمكن تخيلها، فضلاً عن الوصول لها، ولأنه لم يكن واثقا أو ضامناً لكل توقعاته العالية جدا، لم ينشر كتبه التي تجاوزت العشرين إلا بعد أن تخلص من ذلك الوهم الكبير.

الخوف من الفشل أو القلق من عدم النجاح، لا يجب أن تُسقطنا في فخ المثالية والكمال، ولكن الأمر يتعلق بثقافة المسؤولية، هذا طبعًا إذا كانت في حدودها الطبيعية، أما أن تتحول لعائق أو محبّط، فهذا ما يمكن أن يُطلق عليه: مرض المثالية المفرطة ووهم الكمال المستحيل. نعم، نحتاج إلى الكثير من الاهتمام والعناية، بل وللقلق والخوف أيضا، حينما نُريد أن ننجز أعمالنا أو نحقق رغباتنا، ولكن حينما يتحوّل الأمر إلى هوس ووهم، فهذا هو الفشل الذريع، لأننا لم نملك القدرة على إدارة حياتنا بما تقتضيه النتائج والظروف.

البحث عن المثالية أو محاولة الوصول للكمال أشبه بمن يركض خلف سراب، تلك هي الحقيقة التي تستحق أن نكتشفها مبكرا حتى لا نستنزف طاقتنا وجهدنا دون جدوى. نعم، نحتاج للكثير من الحماس والشغف لتحقيق الكثير من أحلامنا وطموحاتنا، ولكن لنكن مدركين تماما أن التوقعات والأمنيات ليس بالضرورة أن تتحقق وفق رغباتنا وتطلعاتنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد