لا يبدو الأمر عصياً على التوقع؛ فانكفاء المشروع الإيراني لا يعني سقوط أدواته في المنطقة تلقائياً؛ بل قد يعني انفلاتها وتوحشها.. حيث كل مقوّمات التنبؤ بالمرحلة المقبلة حاضرة؛ ميليشيات مدجّجة بسلاح تراكم خلال عقود، وخبرة قتالية صُقلت في الداخل والخارج، ومصادر متعددة تُدرّ تمويلاً ذاتياً يغنيها عن الحوالة الإيرانية، يضاف إلى ذلك ضعف الحكومات المركزية في تلك الدول.
ولا يمكن فهم خطر هذه الميليشيات دون استحضار قبضتها الاقتصادية؛ فهي تسيطر على منافذ حدودية وموانئ ومنشآت حكومية، وتُدير ملفات اقتصادية وتجارية ضخمة.. وهذا ما يجعل تفكيكها مهمة شاقة تتطلب إرادة كاملة؛ ذلك أن الميليشيات ليست تنظيمات هاوية تسقط بسقوط ممولها، بل اقتصاد موازٍ بكامل أدواته ومؤسساته غير الرسمية، وما كان يضبط إيقاعها طوال السنوات الماضية هو النفوذ الإيراني الذي كان يوزّع الأدوار ويضبط العلاقة ويحكم الخلافات؛ بالتالي فإن غيابه يعني تحوّل التنافس إلى صراع على الأرض والموارد والشرعية؛ فالميليشيا ستبحث عن "إنجاز" يُعيد تعريفها وتموضعها، سواء بعملية عسكرية داخلية أو حتى مغامرة عابرة للحدود.
هذا هو السيناريو الذي ينبغي أن يستعد له الجوار بعد الانكفاء الإيراني إذ ستدخل بعض الحكومات المجاورة مرحلة هشاشة غير مسبوقة وغير متكافئة؛ حيث المؤسسات الرسمية قائمة بينما الميليشيات لا تعترف بها.. وستتحوّل الجغرافيا إلى ساحة مفتوحة لميليشيات متنافسة، وربما تنضم إليها تنظيمات جديدة، ليصبح التهديد للجوار مباشراً ومتعدد الجهات، وهي مرحلة فراغ خطيرة قد تطول، خصوصاً مع اتجاه واشنطن نحو تخفيف انخراطها في المنطقة، وإعادة ترتيب أولوياتها، وهذا الفراغ الاستراتيجي يُضاعف من خطورة المرحلة.
والأخطر من السلاح والمال هو الخطاب الذي صنعته هذه الميليشيات لعقود؛ خطاب "المقاومة" و"الممانعة" الذي استُهلك حتى انكشف، وتحوّل إلى غطاء فضفاض لمشاريع نفوذ ومصالح مادية لا علاقة لها بشعاراتها المعلنة؛ فسقوط هذا الخطاب أمام الرأي العام العربي قبل أن يسقط في الميدان، يعني أن الميليشيات ستواجه أزمة شرعية مزدوجة؛ فقدان الراعي السياسي، وفقدان الغطاء الأيديولوجي معاً، وهنا تحديداً تتحوّل إلى عبء على نفسها قبل أن تكون عبئاً على غيرها؛ فالعقود الماضية كانت زمن الشعارات الكبرى والتعبئة الأيديولوجية، أما اليوم فالمنطقة تعيش لحظة مختلفة؛ شعوب تطالب بالتنمية والعمل والتعليم، وحكومات تتسابق نحو الاقتصاد المعرفي والتنويع، وجيل جديد لا يجد نفسه في خطابات تلك المرحلة.
ومن المهم هنا التمييز بين المشروع الإيراني وأدواته من جهة، وبين معارضيه من جهة أخرى؛ فجزء واسع من الشارع العربي -الشباب على وجه الدقة- رفع شعارات صريحة ضد التدخل الإيراني في دوله ودفع ثمناً باهظاً؛ هذا الوعي هو الرصيد الحقيقي الذي ينبغي أن تراهن عليه دول الجوار، وفي مقدمتها دول الخليج التي فتحت في السنوات الأخيرة قنوات دبلوماسية واقتصادية مع تلك الحكومات؛ كاستثمار استراتيجي يدعم قيام الدولة بمسؤولياتها تجاه استعادة قرارها، ومواجهة الميليشيات.

