: آخر تحديث

سوريا أمام دور إقليمي قائم

3
3
3

سادت في مراحل التعليم الرسمي السوري الإشارة إلى موقع سوريا الجغرافي باعتباره واحداً من المزايا الاستراتيجية، التي تجعل من سوريا قادرة على لعب دور إقليمي مهم له امتدادات دولية، وغالباً ما كانت تلك الإشارة تستدعي شروحات حول طبيعة الكيان السوري باعتباره منطقة اتصال وتواصل بين الشرق والغرب، ومعبراً بين الشمال والجنوب، وتتوالى في بعض الأحيان شروحات عن قوافل التجارة والفعاليات الحضارية الموازية، وخاصة الثقافية والدينية، وحملات الجيوش، التي مرت عبر سوريا إلى كل الاتجاهات، وتركت بصمات في تاريخها وحياة سكانها.

وكان من الطبيعي أن تهتم نخبة السوريين ورجال الاستقلال بدور حضاري واقتصادي لكيانهم في المحيط الإقليمي، وكان الأمر ملحوظاً في توجهاتهم وسياساتهم نحو محيطهم العربي، وتكرس عبر إنشاء بنية اقتصادية إنتاجية وخدمية لها تطلعات إقليمية، بينها زراعات استراتيجية منها القمح والقطن، ومصانع غزل ونسيج وأسمنت، وشبكة مصارف، وأخرى للنقل والاصطياف، وجامعة عريقة ومميزة، إضافة إلى ميناء في اللاذقية، وخطوط نقل النفط من شمال العراق ومنطقة الخليج إلى ساحل البحر المتوسط.

غير أن تزايد دور العسكر في الحياة السورية مع بدء الانقلابات في عام 1949، أخذ سوريا نحو تغييرات عميقة باتجاه العسكرة، وشيئاً فشيئاً أصبحت الشؤون العسكرية والأمنية محور وموجّه السياسات والعلاقات في المستويين الداخلي والخارجي العربي والدولي، وهو ما تجسّد على نحو مكشوف، خاصة في نظام حافظ الأسد الذي امتدت سنوات صعوده وحكمه ما بين 1963 و2000؛ إذ عاش في غرفة عمليات بين انقلابات وحروب ومعارك وتسويات، تتواصل في سوريا، وبعضها مع جماعات مسلحة، ومواجهات وتدخلات سياسية وعسكرية مع وفي العراق والأردن ولبنان، وعلى الفلسطينيين، ومع الإسرائيليين، إضافة إلى حربَي 67 و73 مع إسرائيل، إلى جانب مشاركة في حرب الخليج الأولى والثانية ولو بشكلين مختلفين. وقد سار وريثه بشار الأسد على ذات الخط، وكانت حربه على السوريين ما بين 2011 و2024 أهم معالم المسار الدموي لعسكرة سوريا.

مع انهيار نظام الأسد وولادة بديله الجديد، بدا من الطبيعي أن تتبدل التوجهات والسياسات السورية عما كانت عليه، بالاستناد إلى عوامل، الأهم فيها الاختلافات الآيديولوجية والسياسية للنظام الجديد. وقد عبر النظام عن تحولاته في مظاهره وفي القول والفعل؛ إذ أعلن عن توجهاته السلمية في علاقاته الخارجية، وقام بحل كل المؤسسات العسكرية والأمنية العائدة للنظام السابق، وأعاد تشكيل الجيش والمؤسسة الأمنية وفق رؤية مختلفة، والتي مقدر أنها لن تتجاوز حفظ النظام، وتطبيق القانون في المدى المنظور.

إن ما جرى ويجري في سوريا من تغييرات في طبيعة السلطة وسياساتها، تعبير عن تحولاتها من الدولة العسكرية - الأمنية الاستبدادية، والسير نحو نظام جديد ترسم ملامحه مرحلة انتقالية، تؤشر إلى تجربة رئاسية تتشارك فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتأخذ البلاد نحو تطبيع الحياة السورية، وخلق نظام سياسي واقتصادي واجتماعي حر، يوفر العدالة والمساواة والفرص المتكافئة لكل السوريين، والتي كانت بين المطالب الأساسية في ثورة السوريين على نظام الأسد.

أما موضوع الدور الإقليمي لسوريا فظاهر في اهتمامات النظام الجديد، وتعبر عنه ثلاثة مؤشرات واضحة؛ أولها علاقات انفتاح سوري على المحيط، ليس لمعالجة إرث ما خلّفه النظام البائد فقط، وإنما من أجل خلق وتطوير علاقات إيجابية، وفرص أفضل تؤمّن المصالح المشتركة بين الأطراف المختلفة. والثاني استكشاف مجالات العمل والعمل المشترك القائمة والمتاحة بين سوريا ودول الإقليم، مما يساهم في رسم مسارات ومستويات العمل المقبل. والثالث تحديد أولويات العمل ومستوى الشراكات عبر اتفاقات وتفاهمات بين الدولة السورية ومؤسساتها ودول الإقليم وشركاتها ومؤسساتها.

لقد سعت سوريا بالتعاون مع الفاعلين الإقليميين والدوليين الداعمين لها إلى رفع العقوبات الدولية عن سوريا، ووفرت لقاءات، وشاركت في فرص عرض أوجه التعاون والشراكات، ووقعت بروتوكولات تعاون واتفاقيات، دخل بعضها حيز التنفيذ، بل بدأت سواء عبر هياكل الدولة السورية أو الاستثمار الخاص في تنفيذ بعض المشاريع، وتقوم بدراسة مشاريع أخرى، يُفترض أن كثيراً منها يصب في سياق التعاون الإقليمي، وبينها فكرة الدور السوري في شبكة حديثة للقطارات تربط بين تركيا والمملكة العربية السعودية لنقل الركاب، وتأمين سلاسل التصدير والاستيراد.

مشكلة التحول السوري وما يتصل به من تطورات أن مجرياته تسير دون خطة معلنة، وشفافية مطلوبة. وهذه بين أمور تشكل قلقاً للمستثمرين من أفراد وشركات ودول، الأمر الذي يفرض على السلطات السورية التحرك، خاصة في هذا الوقت بالذات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد