كان سليمان (بومساعد) ضابطاً في الداخلية، وكان له دور في تأسيس وتطوير الإدارة العامة للجنسية والجوازات وشؤون الإقامة، التي أصبح مديراً عاماً لها، وتالياً وكيلاً مساعداً للجهة نفسها، صاحب شخصية قوية، وصوت جهوري، وكانت لي معه قصة تذكرتها عند قراءتي لمرسوم تعيين ابنه السفير «حمد المشعان» نائباً لوزير الخارجية، الذي كان له، أخيراً، دور حيوي في وقف التلاعب بأموال التبرعات، التي كان البعض يدّعي صرفها في الخارج.
* * *
كنت بالكاد قد بلغت الثامنة عشرة، عندما وافق والدي على أن يشتري لي سيارة «فولكس فاجن»، وكان ذلك عام 1962، كان لونها أحمر براقاً، وكان ذلك بداية عشقي لذلك اللون، الذي استمر معي حتى اليوم، كنت أقف أمام محل «آيس كريم»، متفرّع من شارع فهد السالم، عندما توقفت سيارة فولكس فاجن حمراء بجانبي، وفيها أربعة أوروبيين، شابان وفتاتان، وسألني سائقها إن كنت أعرف عنوان فندق رخيص، حاولت أن أشرح لهم عنوان فندق أعرفه في الشارع الجديد، لكن دون جدوى، فعرضت استضافتهم في بيت الأهل في كيفان، وأن منامهم سيكون على السطح، وكان الوقت ربيعاً، وان بإمكانهم استخدام حمام غرفتي على «الرووف»، فوافقوا على الفور، وأخبروني بأن لديهم أكياس بلاستيك، بسحابات، صالحة للنوم! أخذتهم إلى سطح البيت، وسط دهشة والدتي وشقيقاتي، وأمضوا ليلة سعدت فيها معهم، وتعلمت من الفتاتين الجميلتين أموراً عدة عن «تاريخ السويد»! كما فهمت منهم أنهم في طريقهم إلى السعودية، لتسويق سندات مالية، لحساب أحد المصارف.
بعد أسبوع حضر شخص بريطاني إلى البيت، ولا أعلم أو أتذكّر كيف استدل على العنوان، وأخبرني بأنه بحاجة إلى مساعدتي. فقد التقى بالفريق السويدي في الرياض، واتفق معهم على العودة إلى الكويت بالفولكس فاجن الصغيرة نفسها، التي بالكاد تتسع لأربعة أشخاص بأحجامهم، وأنهم واجهوا مشكلة خطيرة، فبعد مغادرتهم الحدود السعودية، تبيّن لهم على الحدود الكويتية أن الفيزا، التي كانوا يحملونها، هي لسفرة واحدة، ولا يحق لهم بالتالي الدخول، وضرورة العودة إلى الرياض لاستخراج الفيزا من سفارتنا. عادوا أدراجهم إلى الحدود السعودية، فمنعوهم من العودة، لأن الفيزا السعودية كانت لسفرة واحدة!
أسقط بيدهم، وقرروا أن يبيتوا ليلتهم في الخيمة المهترئة، ومعهم البريطاني، الذي رفض تركهم، بالرغم من أنه كان مسموحاً له بدخول الكويت بغير فيزا، وعندها قرّروا الاستعانة به للتواصل معي، لمساعدتهم في دخول الكويت.
كانت ليلة قاسية عليهم، في تلك المنطقة الفاصلة بين مركزي الحدود، وهم في حيرة من أمرهم، وأصيبوا برعب حقيقي، عندما وجدوا عظاماً تملأ المكان، وربما كانت لحيوانات نفقت في تلك المنطقة، لكنهم تخيلوها عظام بشر، وأن مصيرهم سيكون مثلهم.
لم أعرف كيف يمكن أن أساعدهم، فقمت بالاتصال بوالدي، فطلب مني الذهاب إلى مقابلة المرحوم «سليمان المشعان»، وأن أعرّفه بنفسي. رحّب بنا أبو مساعد أجمل ترحيب، واتصل بالحدود، طالباً السماح للسويديين بالدخول، ونقلهم، مخفورين، إلى جوازات الأحمدي لإجراء معاملات الفيزا، لكنه وجد اعتراضاً قوياً من ضابط الحدود، لكنه أصرّ على رأيه، وتم له ما أراد.
لقد كان أبو مساعد رجلاً شهماً وصاحب قرار.
أحمد الصراف

