سبق أن تطرقت في مقالات سابقة إلى أن بلادنا لديها جوانب عديدة للقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية وأضيف اليوم 4 بواعث مجتمعية يحسن التأمل فيها للوقوف على بعض من مكامن القوة المتأصلة في بلادنا عبر العصور، التي سأطرحها للقارئ بعد تأمل لما تعيشه المنطقة في هذه الفترة من أحداث.
ولعل القراء يشاركون معي في التأمل وكذلك كتّاب الرأي الذين لو استقرأ بعضهم ما يجري حوله خلال سنوات تعامله مع كتابة الرأي واستخدم أدواته في الرصد والتحليل مع حسن الصياغة والعرض لظهرت (أمامه وأمام قُرائه) علامات القوة في مجتمعهم، ولاستطاعوا -عبر رصدها ونشرها- لفت النظر للحسن منها لتوثيقه وتعظيمه.
وهذا ما أعتزم القيام به بين حينٍ وآخر، بحيث أنشر مقالًا لا يعتمد على مصادر منشورة، وإنما يكون حصيلة متابعة وتأمل شخصي لقضايا مجتمعية ذات علاقة بالشأن العام وأبدأه اليوم بالنظر في بعض علامات القوة في مجتمعنا. فهذا المجتمع، إلى جانب ما تمتلكه أي دولة من مقومات قوة معروفة، يتميز بسمات خاصة شكلت شخصيته وأسهمت في تكوين هوية هذه البلاد.
وأولى العلامات التي أراها ركناً في بناء الشخصية السعودية: هي التمسك بالدين الإسلامي الخالص من البدع والتشدد بحيث ينطبع على سلوكيات المجتمع ويدخل في مكونات هويته الكبرى وكذلك في شخصية الفرد وتصرفاته، وهذا المكون في نظري أعظم نعمة.
أما العلامة الثانية: فهي حكمة القيادة في مواجهة الأزمات، وقوة قرارها في اتخاذ المواقف التي توفر الأمن لمواطنيها أولًا، وحماية حدودها بكفاءة واقتدار. ونتيجة لهذه السياسة الحكيمة، المقترنة بحزم القرار، اكتسبت بلادنا الاحترام على المستويين الإقليمي والدولي، وأصبحت ضمن الدول المؤثرة في مختلف القضايا التي تتطلب حلولًا عادلة، ويصاحب هذا التميز في الإدارة ثقة كبيرة من المواطن أن القيادة تتشارك معهم ذات القيم وأن المواطن محور اهتمامهم منذ قيام هذه الدولة المباركة.
وتتمثل العلامة الثالثة: في تفاؤل المواطن بطبعه وحبه للحياة وإقباله عليها، وارتباطه بأرضه وتعايشه مع كل معطياتها وظروفها، وظهر ذلك خلال الأسابيع الماضية بالابتهاج العام الذي صاحب هطول الأمطار وجريان السيول في عموم مناطق المملكة، وهو ما يصور استمرار الحياة مهما اشتدت الأزمات والحاجة، فقد جاءت الأمطار برحمة من الله واستجابة لدعاء شعب مؤمن— لتحيي الأرض بعد الجدب وتضفي شعوراً بالطمأنينة، وتسهم بإذن الله في زيادة المحاصيل الغذائية كما أنها تبشر بثمار الجهود البيئية الكبيرة التي تبذلها بلادنا، خاصة في مجال المحميات.
أما العلامة الرابعة: فهي من خلال إقبال الشباب على الزواج، بما يعزز تماسك البناء الاجتماعي، ويضمن استمرارية الاستقرار والسعادة، ويسهم في الحفاظ على النمو السكاني، خلافًا لما تواجهه بعض الدول من أزمة تراجع المواليد. ويظهر هذا الترابط المجتمعي في أبهى صوره من خلال حفلات الزواج التي تُقام بشكل شبه يومي خلال هذه الفترة.
وأخيرًا، لعل من أوضح صور شكر هذا المجتمع لله على هذه النعم ما نلحظه من علو همة الشباب (من الجنسين) في تعليمهم وأعمالهم التي بات التميز والتفوق سمة ثابتة لهذا الجيل الذي لا تشغله الحياة التي يقبل عليها بحب ويتفانى لبلاده ورفعتها عن الالتزام بقيمه وأخلاقه وإقباله على الطاعات وذلك ما رأيناه في المساجد خلال رمضان الماضي وما نعيشه من إقبال على أداء العمرة هذه الأيام خاصة من فئة الشباب.
وختامًا، يبقى من المهم أن تتبنى الجامعات ومراكز الأبحاث دراسات معمقة حول مقومات القوة في بلادنا ومجتمعنا، سواء تلك التي أشرتُ إليها أو غيرها، وهي كثيرة. وسيجد الباحثون أن بلادنا من أكثر دول العالم تمتعًا بالقوة الروحية والمادية، وهو ما أسهم بفضل الله في بلوغ هذا المستوى من الأمن والاستقرار والرخاء، مدعومًا بقيادتها وشعبها الطموح، سعيًا نحو مستقبلٍ أفضل دائمًا.

