: آخر تحديث

"تواصل" أم "اتصال"؟

3
3
2

دائماً ما يثار سؤال الفرق بين مصطلحي: "الاتصال الاستراتيجي"و"التواصل الاستراتيجي"، في النقاشات المهنية لمختصي التواصل وخبراء التأثير، كما لو كان تفصيلاً لغوياً هامشياً! إذ يستخدم البعض كلا المصطلحين لنفس الوظيفة، بينما هناك اختلاف شاسع بينهما!

بحثت طويلاً في هذا الموضوع، ووجدت أن كلا المصطلحين يعودان إلى الجذر اللغوي نفسه (و ص ل)، وهو جذرٌ غني بالدلالات: الربط، الوصل، الامتداد، عدم الانقطاع، لكن دقة اللغة العربية توضح الفارق عبر وزن الفعل الصرفي، إذ إن وزن الفعل "اتصال" هو "افتعل": يدل على تحقق الفعل، أي أن شيئًا وصل إلى شيء، بينما وزن الفعل "تواصل" هو "تفاعل": يدل على المشاركة الطرفية، أي أن طرفين يتبادلان الفعل، فرغم تماثل الجذر اللغوي إلا أن اختلاف الوزن أدى إلى اختلاف الحركة، فالاتصال يُنجز مهمة الوصول من إلى فقط، بينما التواصل يُديم العلاقة ويؤكد التأثير.

في اللغة الإنجليزية كلمة Communication تحمل في طياتها معنى "التواصل" و"الاتصال" معًا، لكنها في الممارسة الحديثة أصبحت تميل إلى التفاعل، هنا يبرز الإعجاز اللغوي في لغتنا الأكثر دقة: فالاتصال أقرب إلى Transmission، أما التواصل أقرب إلى Engagement / Interaction ـ ولهذا فإن استخدام “التواصل” في العربية يعكس تطورًا مفاهيميًا يوازي أحدث المدارس العالمية، التي تعتمد على ديناميكية العلاقة مع الجمهور، إذ كانت المنظمات في الماضي تعتمد على النموذج التقليدي: المرسل - الرسالة - المستقبل، بينما النموذج الحديث هو شبكة تفاعلية من جماهير متعددة، لكل منها صوت ورسالة وتأثير مستهدف.

ولتوضيح ذلك، دعونا نفترض حملة وطنية لتعزيز التبرع بالدم، ففي حالة "الاتصال"، تنشر رسائل توعوية، إعلانات، وتصريحات رسمية، بينما في "التواصل" المساحة أوسع، كونها عملية ثنائية الاتجاه، إذ يستمع للجمهور ويفهم، إشراك المؤثرين، بناء قصة إنسانية مستمرة، تحليل التفاعل، تعديل الرسائل، هنا ننتقل من إيصال المعلومة إلى تشكيل السلوك والثقة.

لذا فإني أعتقد أن المصطلح الأدق والأحدث هو "التواصل الاستراتيجي"، لأنه يعكس الصورة الحقيقة للتواصل حالياً، من استهداف، تفاعل، وتأثير، ولأنه يركز على بناء الثقة وليس فقط نقل المعلومة! والأهم لأنه يشمل الاتصال كأداة ضمن منظومة أوسع، بمعنى آخر: الاتصال الاستراتيجي هو ما تقوله المنظمة، بينما التواصل الاستراتيجي ما تتفاعل به في أذهان الجمهور.

الفرق بين المصطلحين ليس لغويًا فحسب! بل تحوّل في طريقة التفكير والممارسة، فالاتصال فعل ينتهي عند الإرسال، أما التواصل فوظيفة لا تنتهي عند التفاعل، وكأن لغتنا العظيمة تقدم لنا خيارين: إما أن نصل ونتوقف، وإما أن نستمر في الصلة والتفاعل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد