تم الكشف في شهر مارس (آذار) الحالي، عن عدد من «الخلايا النائمة» المرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، عبر عمليات أمنية استباقية في المنامة والكويت وأبوظبي والدوحة، أسفرت عن تفكيك شبكات استخباراتية - إرهابية، ضمت مواطنين ومقيمين، تورطوا في عمليات جمع معلومات، ورصد سيبراني، وتوجيه طائرات مسيّرة انتحارية قصيرة المدى، والتدرب على القيام بعمليات محددة، وهو ما يمثل تحولاً في «عقيدة التخريب» التي كانت من قبل تعتمد على تخزين المواد المتفجرة وتهريبها والتمهيد لعمليات «إرهاب» مفخخة. إلا أن تغيُّر أساليب العمل لدى «الحرس الثوري» جعل المهام الموكلة لـ«الخلايا» تتجاوز العمليات التي كان من المعتاد أن تقوم بها مجاميع مشابهة تم القبض عليها في سنوات مضت.
بالنظر إلى المعطيات الحالية، نجد - مثلاً - تمايزاً بين نموذج «خلية العبدلي» في الكويت، التي أُعلن عنها عام 2015، والتي كانت تعتمد على التخزين العسكري الكبير، وبين الخلايا الحالية التي تركز على «الاختراق المعلوماتي» واستهداف منشآت الطاقة الحيوية، عبر تقنيات أقل تكلفة وأكثر دقة، وتحدث أضراراً مباشرة دون أن تتطلب كثيراً من المجهود والتحضير العملياتي والتدريب العسكري.
هذا التحول من «المواجهة الصلبة» إلى «الحرب الهجينة» يجعل التحديات الأمنية لدى دول الخليج العربي أكبر! إلا أنه رغم هذا التبدُّل في الأدوات والخطط، فإن هنالك مراقبة دائمة لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لأساليب عمل «الخلايا الإرهابية»، وبالتالي الجهوزية العالية التي تستبق أي فعل عنيف أو اختراق تقني يهدف للتعطيل وإحداث فوضى.
اليوم، لم تعد التهديدات محصورة في العمل العسكري المباشر، بل في محاولات تقويض «مؤسسات الدولة»، عبر تخريب مفاصلها التقنية ونسيجها المجتمعي ووحدتها الوطنية، مما يفرض قراءة هذه الأحداث بوعي، كجزء من صراع أعمق بين مشروع «الدولة الوطنية» المستقرة، ومشروع «الفواعل العابرة للحدود»، التي تسعى لتفتيت «مركزية الدولة» في المنطقة.
من جهة أخرى، هذه الخلايا في أحد أخطر وجوهها، تستهدف الدفع بصراعات هوياتية بين المكونات المتعددة في دول الخليج العربي، مما يفرز انحيازات مذهبية ومناطقية حادة، تجعل الأطراف تمارس سياسات حمائية، وبالتالي تحول المجتمعات إلى مجاميع منعزلة، ما يخلق بيئة خصبة للاصطفاف الطائفي والأقلوي، تستجيب للخطابات العابرة للحدود، وتكون عملية التجنيد والتأثير أكثر سهولة، وهي نقطة غاية في الأهمية، تحتاج لمعالجات دقيقة جداً، صبورة وحكيمة وحازمة في آن معاً، تعلي من «الهوية الوطنية» و«سيادة القانون».
في الخليج العربي تظل «الدولة» وحدها هي المختصة حصراً بتقدير المخاطر وإدارة الملفات الأمنية المعقدة، بعقلٍ مؤسساتي يرفض الانجرار وراء الانفعالات الشعبوية، خصوصاً في هذه المرحلة التي تمارس فيها إيران عدوانها عبر إرسال صواريخها ومسيراتها على مختلف المدن.
قوة دول مجلس التعاون الخليجي تكمن في قدرتها على عزل التهديد الأمني ومعالجته بـ«مبضع جراحي» قانوني، يضمن حماية الأمن المشترك، ويقطع الطريق على أي محاولات خارجية لاستغلال الملفات الأمنية لخلق حالة من الارتباك السياسي أو الاجتماعي.
لقد أفشلت الأجهزة الأمنية مخططات خلايا «الحرس الثوري» بكفاءة عالية، إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق هذه الجهات وحدها.
الوعي المجتمعي مهم للغاية، ولذا فإن على المواطنين والمقيمين أن يكونوا رافعة الوعي، كي لا يقعوا في فخِ الخطابات المخاتلة التي تراهن بشكل أساسي على تفتيت المجتمعات، وهو خطابٌ يريد التسلل من خلال المنصات المختلفة، متدثراً بعناوين عدة.
إنَّ «الدولة الوطنية» هي الحصن الحقيقي ضد أشكال العدوان كافة، والارتهان للخارج، وهي التي تدمج بين الكفاءة الاستخبارية والعدالة القضائية والتماسك الاجتماعي، تحت مظلة القانون.
لقد حاولت استخبارات «الحرس الثوري» ومن خلال ذراعها الخارجية «فيلق القدس»، وبالتعاون مع ميليشيات موالية لإيران في العراق ولبنان، تجنيد بعض المواطنين أو المقيمين في الخليج العربي، وهي قامت سابقاً بهذه الأنشطة التخريبية، وقوبلت بكفاءة عالية من أجهزة الأمن في تتبع هذه «الخلايا» وملاحقة أفرادها والقبض عليهم ومحاكمتهم، وتحميل المسؤولية حصراً لمن قام بهذا الجرمِ أو دعمه مباشرة، وتَعامَل معه في مهامه السرية، وهذه أعمال يتحمَّل وزرَها من تورط فيها فقط، وفي ذلك ترسيخ صريح لمبدأ العدالة.
وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، شخَّص المشكلة الإيرانية بدقة، حين قال: «لقد خططت إيران بشكل مسبق لما نشهده اليوم من اعتداءات آثمة، فهذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لسجل تاريخي قائم على نهج الابتزاز ورعاية الميليشيات ودعمها؛ لاستهداف دول الجوار وزعزعة استقرارها».
هذه السياسات العدائية، لا يمكنها أن تنسجم مع ادعاءات إيران برغبتها في إقامة علاقات حسنة مع دول الجوار العربي، لأنَّ هذه العلاقات تتطلب ألَّا يكون هنالك تدخل في الشؤون الداخلية، ولا أي من أنواع التآمر ودعم «الخلايا التخريبية» التي تتكشف خباياها يوماً بعد آخر، وهي أعمال لا يمكن التساهل معها، أو تبريرها، لأنَّها تهدد بشكل مباشر أمن وسلامة الدول والمجتمعات الخليجية.

