حين ننظر إلى التاريخ الاقتصادي المعاصر نجد لحظة مفصلية توضّح كيف يمكن للاعتداء على دولة خليجية أن يهزّ الاقتصاد العالمي كله. تلك اللحظة كانت في صيف 1990 عندما وقع هجوم نظام صدام حسين على الكويت. لم يكن الأمر مجرد صراع إقليمي، بل صدمة نفطية عالمية جعلت الأسواق والاقتصادات الكبرى تتحرك بسرعة غير مسبوقة.
هنا شعر العالم بأهمية دول الخليج وأهمية الحفاظ على أمنها واستقرارها الذي ينعكس على أمن واستقرار العالم. فالنفط هو شريان الحياة والأسواق تتصرف أحياناً مثل كائن عصبي، مُجرد الخوف من نقص النفط يكفي لرفع الأسعار. نتيجة ذلك الغزو كانت موجة قلق عالمي واضطراب في أسواق الأسهم وزيادة التضخم في العديد من الدول الصناعية. وكانت صدمة النفط الناتجة عن الأزمة السبب في دخول الاقتصاد العالمي في ركود مطلع التسعينات. كان الخوف الأكبر أن يمتد هذا الصراع إلى بقية الدول الخليجية، ولو حدث ذلك لواجه العالم أزمة طاقة حقيقية. لذلك تَشكّل تَحالف دولي واسع بقيادة أمريكا لتحرير الكويت وتحرير العالم من فقدان الاستقرار الاقتصادي.
الدرس من تلك الأزمة كشف حقيقة بسيطة لكنها عميقة، الاقتصاد العالمي يعتمد بشدة على استقرار الخليج. فالمنطقة تنتج اليوم ما يقارب ثلث النفط العالمي، وتملك أكبر احتياطيات الطاقة، كما تمر عبر مياهها أهم طرق نقل النفط والغاز إلى آسيا وأوروبا. لهذا السبب يتعامل العالم مع أي تهديد للخليج على أنه تهديد للنظام الاقتصادي العالمي نفسه.
عند المقارنة بين غزو الكويت والاعتداءات الإيرانية على كل دول الخليج نجد أوجه شبه واضحة، لكن اليوم ليس كالأمس، لا يمكن لدول العالم أن تسمح بإعادة سيناريو 1990 فالعالم أصبح أكثر ترابطاً اقتصادياً مما كان عليه في السابق. في ذلك الوقت كان النفط مهماً خاصة للولايات المتحدة وأوروبا. أما اليوم فاقتصادات آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا تعتمد بشدة على نفط الخليج. لذلك، فإن أي اضطراب في المنطقة يخلق صدمة اقتصادية عالمية أوسع من تلك التي حدثت قبل عقود.
إن أي توتر في المنطقة لا يبقى محلياً، بل ينتقل فوراً إلى الاقتصاد العالمي، لأن الخليج ليس مساحة جغرافية، بل أحد مفاصل الطاقة والتجارة في العالم. لذلك، فإن التوترات العسكرية والاعتداءات التي تستهدف دول الخليج تحمل آثاراً اقتصادية عميقة تتجاوز حدود المنطقة.
عندما نقول الخليج هو قلب العالم الاقتصادي.. نعني أن دول الخليج تضم أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم تقريباً. وذلك وفق بيانات أوبيك ووكالة الطاقة العالمية. وهذا ما يجعل أي تهديد أمني للمنطقة تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي. ظهر هذا التهديد بارتفاع أسعار النفط عالمياً وخلق حالة من عدم الاستقرار في أسواق المال وضرراً في النمو الاقتصادي العالمي هذا عدا ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وطبعاً ارتفاع أسعار السلع المرتبطة بالطاقة. وتأجيل مشاريع اقتصادية كبرى.
عَبرّت الدول الأوربية عن رفضها لهذه الاعتداءات ودعمها لاستقرار الخليج. لكنها في المقابل تتريث في الدخول إلى حرب إقليمية واسعة قد تضر مصالح الجميع، وهي هنا تراهن على المسار الدبلوماسي لحل هذه الأزمة. السؤال اليوم الدبلوماسية هل ستحسم شكل النهاية؟
الجواب ممكن، لكن بحسب توقعات بعض المحللين قد يستمر الضغط الاقتصادي لفترة ثم تتكثف قنوات التهدئة غير المُعلنة. أوروبا تسعى بكل الطرق إلى احتواء الأزمة والردع لا إلى تحالف هجومي واسع شبيه بعام 1990، فهي ترى أن الدبلوماسية حين تتكلم بصمت غير مُعلن وتسعى بجد ستنتصر في عالم يبدو مشدوداً نحو صدام لا رابح فيه. الحروب مهما طالت تنتهي على طاولة مفاوضات.
لكن بعيداً عن الخسائر الاقتصادية، السؤال الذي يبقى هل ستشفى تلك الندوب التي لا تُرَى حين يخون الجار الجغرافيا؟ الخسائر ليست فقط مجرد أرقام، بل خذلان من الصعب على الذاكرة الجماعية للشعوب أن تتخطاه.
الجار في الوعي الجمعي امتداد للأمان وحين يتحول هذا الامتداد إلى تهديد يتشقق شيء أعمق من السياسة.. الثقة. ونسأل كيف ستنشأ أجيال تعيش في منطقة هي قلب العالم الاقتصادي البعيد.. لكنها ذاكرتها مُثقلة بالندوب من اعتداءات جارها القريب؟ ونسأل أكثر.. من المستفيد؟
الخليج.. قلب الاقتصاد العالمي
مواضيع ذات صلة

