: آخر تحديث

كحيلان.. حين تتعثر الذاكرة بلهجتها

3
3
3

ثمة غبطةٌ خفيّة تسبق المشاهدة، غبطةٌ تشبه الارتداد الحميم نحو ذاكرةٍ جماعية تتكئ على الصحراء، وتستنطق الرمل بوصفه شاهدًا على حياةٍ كانت أكثر صفاءً وأشدّ قسوة في آنٍ معًا.. هكذا جاء مسلسل كحيلان محمّلًا بوعدٍ جمالي وثقافي، يسعى إلى استعادة حكايات الأجداد لا بوصفها سردًا ماضويًا، بل باعتبارها جزءًا من هويةٍ لا تزال تتخلّق في وعينا المعاصر، فالأعمال التي تذهب إلى تلك المناطق البعيدة من الزمن لا تُقدّم مجرد حكايات، بل تعيد بناء الإحساس بالعالم كما كان، وتستحضر منظومته القيمية واللغوية والإنسانية، ولعلّ ما يُحسب للعمل منذ لحظته الأولى، هو هذا الحرص الواضح على الاقتراب من بيئة الصحراء، بصريًا وسرديًا، من خلال تفاصيل المكان واتساعه، ومن خلال الإيقاع البطيء الذي يشبه حياة البادية نفسها، حيث لا شيء يحدث على عجل، وحيث الزمن يمشي على مهلٍ كما تمشي القوافل .. غير أن هذا الجهد، على أهميته، لم يكن كافيًا ليحمل العمل إلى تمامه الفني، إذ اصطدم بعقبةٍ دقيقة لكنها شديدة الأثر حيث اللهجة، فاللغة، في مثل هذه الأعمال، ليست مجرد أداة تواصل، بل هي جزء من النسيج التاريخي ذاته، بل لعلّها أكثر عناصره حساسية، لأنها الحامل الخفي لروح العصر، وحين تختلّ اللهجة، ولو في مفردةٍ واحدة، يتسرّب الحاضر إلى الماضي دون استئذان، فيكسر وهم الزمن، ويوقظ المتلقي من اندماجه.. لقد حاول كحيلان أن يقترب من لهجة المرحلة، ونجح في مواضع عديدة، لكنه تعثّر في أحايين أخرى، حين تسللت مفردات مدنية حديثة إلى حواراتٍ يُفترض أنها تنتمي إلى سياقٍ تاريخي مختلف، فعبارات من قبيل «يعالج الأمور بالركادة» أو «قبل أن ينتهي مفعول العشبة»، تبدو، في ظاهرها، عادية ومفهومة، لكنها في عمقها تنتمي إلى زمنٍ لغوي آخر، زمنٍ أكثر حداثة وتنظيمًا في التعبير، لا ينسجم مع بساطة اللغة القديمة وشفهيتها، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليست في الفكرة، ولا في الأداء، ولا حتى في الإنتاج، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو هامشية، لكنها في الحقيقة تصنع الفارق بين عملٍ يُشاهد، وعملٍ يُعاش. فالمشاهد حين يدخل إلى عالمٍ تاريخي، لا يبحث عن الصورة وحدها، بل عن الإحساس الكامل بالزمن، عن اللغة التي كانت تُقال كما هي، لا كما نعيد صياغتها اليوم، ولعلّ المفارقة أن العمل، رغم إمكاناته الإنتاجية العالية، لم يُحسن استثمار هذه النقطة الدقيقة، التي كان يمكن لها أن ترفع منسوب الصدقية إلى مستوى أعلى، إذ كان من الممكن، عبر مزيد من البحث اللغوي والتدقيق في المفردات، سدّ هذه الثغرات، وتحقيق اندماجٍ أعمق مع طبيعة العصر.

إن استعادة حياة الأجداد ليست ترفًا فنّيًا، بل ضرورة ثقافية، لأنها تعيد وصل الحاضر بجذوره، وتمنح الأجيال الجديدة نافذةً تطلّ منها على تاريخها بوصفه تجربة حيّة لا مجرد سردٍ في الكتب، غير أن هذه الاستعادة، لكي تكون مكتملة، تحتاج إلى عنايةٍ مضاعفة بالتفاصيل، وفي مقدمتها اللغة، بوصفها الوعاء الأصدق لذاكرة الإنسان، ومن هنا، تبدو الحاجة ماسّة إلى مزيد من الوعي بأهمية اللهجة في الأعمال التاريخية، ليس بوصفها عنصرًا شكليًا، بل باعتبارها ركيزة أساسية في بناء العالم الدرامي، فحين تُصاغ الحكاية بلسانها الصحيح، تستعيد روحها كاملة، وتتحول من مجرد تمثيلٍ للماضي إلى إحياءٍ له، وفي المحصلة، يظل كحيلان خطوةً مهمّة في طريق استحضار تاريخنا الثري، لكنه يذكّرنا، في الوقت ذاته، بأن الطريق إلى الماضي لا يُعبّد بالصورة وحدها، بل باللغة أيضًا، تلك التي إن صدقت، صدق كل شيء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد