الترويج الجنوني للذكاء الاصطناعي، مع وعود خيالية بتغيير نمط الحياة، وإدخالنا إلى عالم يشبه اليوتوبيا، يصطدم بتردد الناس وانكفائهم، وخوف عام من المستخدمين، ما يجعل الشركات التكنولوجية الكبرى في محنة وجودية.
يقال إن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، لا ينام جيداً. وهو محق، لأنه استثمر مبالغ باهظة لإغراء الناس، ومع ذلك لا يزال 95 في المائة من المستخدمين لتطبيقه يرفضون دفع أي مقابل، ويكتفون بالقليل الذي يتيحه لهم بالمجان. وهذه كارثة على شركات تنفق مئات المليارات، ولا ترى أي أفق، على المدى المنظور، لاسترداد خسائرها. وشركات الذكاء الاصطناعي في الهم سواء.
ففي كل مرة تلهو مع «تشات جي بي تي»، لتسأله عن حالة الطقس أو تطلب منه طرفة أو أن يسدي لك نصحية، تتكلف عليك الشركة 10 سنتات. هذه المجانية ليست لسواد عيون العامة، بل أريد منها أن تكون مصيدة، لزيادة عدد المشتركين المستقبليين. لكن هؤلاء تأخروا كثيراً، وباتوا يتسببون بخسائر مئات آلاف الدولارات يومياً، ولا يبدو أنهم سيعلقون في الفخ. فإذا كانت أرباح «أوبن إيه آي» 13 ملياراً في السنة، فإن تكاليفها تفوق ذلك. فالخدمة تبتلع كماً هائلاً من الكهرباء، وتدفقات مهولة من الماء، وتدريب نموذج واحد فقط يحتاج 30 ملياراً، هذا عدا أجهزة مراكز البيانات التي تحتاج تجديداً دورياً.
من بين مليار مستخدم لـ«تشات جي بي تي»، لا يوجد سوى 50 مليون مشترك، غالبيتهم من الأفراد، لأن الشركات لا تزال تتردد وتتخوف. دراسة لجامعة «إم إيه تي» بينت أن 70 في المائة من المؤسسات في العالم تعتبر الذكاء الاصطناعي خطراً يهدد بياناتها، بسبب التسريبات التي أظهرت مدى ارتباط الشركات العملاقة بالمشاريع السياسية والعسكرية لحكوماتها. وليست قليلة المؤسسات التي عدّلت خططها، لأنها تعتبر أن معلوماتها هي جزء من السيادة الوطنية التي ترفض الكشف عنها.
لهذا نحن أبعد ما نكون عن وعود إيلون ماسك بأن الذكاء الاصطناعي سيحول شكل يومياتنا، وسنصبح سياحاً على الكوكب بعد سنوات قليلة، وأن «العمل سيكون خياراً شخصياً بدلاً من ضرورة للبقاء». ماسك نفسه يتمنى لو يتباطأ تطوير الذكاء الاصطناعي لأنه بات أسرع من استيعابه، ومن قدرة البشرية على اللحاق به، حتى تصديق أنه سيصبح وكيلاً ذاتياً يدير الحياة بالكامل. الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى إدماج الخدمة بالكامل مع البنى التحتية المادية والخدماتية، بينما الواقع أن هذه التطبيقات لا تزال بالنسبة للبشرية «صندوق محادثة» وتسلية، وليست نظام تشغيل حيوياً لا غنى عنه.
لهذا، فإن التقنية التي وصفت بـ«الأكثر إدهاشاً» تعاني من فجوة بين طموحها وإنفاقها ونتائجها الباهرة، مقارنة بما يطلبه الجمهور وما هو مستعد لتمويله أو التعامل معه بثقة وأمان.
هدف أصحاب الشركات، كي يستردوا ملياراتهم، أن يصبح الذكاء الاصطناعي شرطاً للحياة كالماء والكهرباء، ولكل مستخدم عداداً يسدد اشتراكه بموجبه، وهو ما يمكن أن يستغرق إنجازه عقداً أو اثنين، لأن المشتركين الحقيقيين في السنة الواحدة لا يتزايد عددهم عن 10 ملايين. وهو رقم كبير لكن الطموح أكبر.
توقع مليارديرات التكنولوجيا هجوماً جماهيرياً كاسحاً على مبتكراتهم، واصطدموا بفتور غير متوقع. ولهذا البرود أسباب، منها أن ما تقدمه هذه الأنظمة لا يزال بحاجة إلى تدقيق، ومراجعة، وهي تهلوس وتخطئ، وليست مبدعة بالقدر المقنع. لذلك غالبية الاستخدامات، تقتصر على كتابة النصوص، والتحضير الأكاديمي، وتوليد الصور والفيديوهات، وهي يمكن أن تكون متاحة بالمجان.
السؤال لا يتركز حول من يربح اليوم، بل من يملك القدرة على الصبر والاستمرار ليبلغ النتيجة المرجوة. وإذا كانت الدول قد تنافست تاريخياً على النفط والسلاح والصناعات والزراعات، فإنها اليوم تتنافس على الخوارزميات والبيانات والقدرات الحاسوبية. والنتيجة هي التي ستحدد شكل خريطة إعادة توزيع القوى الاقتصادية، وموازين النفوذ.
رغم عدم الحماسة السريعة لهذه التقنيات التي تخترق كل خصوصية، فإنها لا بد أنها ستتحول تدريجياً إلى أداة للسيطرة، وهو تحديداً ما يشعر الغالبية بالتردد حيال بعض خدماتها.
ليس خافياً أن الحكومات هي الداعمة الأولى لسدّ ثغرة الخسائر، كي تعيش شركات لا تبيع، وتستمر بكامل رشاقتها. ويخشى أن السوق المستقبلية ستتركز في يد عدد محدود من الشركات القادرة على تحمل الخسائر بفضل الدعم الحكومي، وستطرد المشاريع الصغرى.
ففي سباق الذكاء الاصطناعي، لا يفوز من يملك أفضل نموذج، بل من يستطيع تحمّل الخسارة لأطول فترة.

