: آخر تحديث

الابتزاز الإيراني ومسار التَّسوية الجديد!

11
11
10

منذ وصولِ الخميني إلى السُّلطة عامَ 1979، والمنطقةُ تفتحُ لطهرانَ أبواباً لتتصرَّف كدولةٍ طبيعية، لكن النتيجة جاءت علَى النَّقيض تماماً، فمنذ هذا التاريخ والأحداث السيئة تتوالَى على المنطقة، إذ لم تكتفِ طهران بإحداث التغيير في بنيتها السلطوية وقلبها إلى سلطة ولاية الفقيه، ولكنَّها تكفّلت نقل هذا المشروع الثيوقراطي إلى جوارها، ولو أدَّى ذلك إلى استعمال القوة. في محاولة لتصدير نموذجها إلى من حولها وإلى أبعدَ ممن حولها، وقد خلقت لذلك أذرعاً كثيرة في المنطقة لدعم هذا المشروع لا يتَّسع المجالُ هنا لحصرها. إذ ظلَّت هذه الأذرع تنخر استقرارَ هذا الجوار في محاولة للتأليب ضد الأنظمة والحكومات وزعزعة الاستقرار باستعمال العنف. وهذا ما أجَّج العلاقة بينها وبين جيرانها.

إيران ما زالت تمارس هذا التصعيد إلى هذا اليوم، وهو دلالة على أنَّ هذا السلوكَ لم يتبدل، صحيحٌ تغيَّرتِ الوجوهُ من الخميني إلى خامنئي، واليومَ يبرزُ اسمُ مجتبَى، لكنَّ المنهجَ بقيَ نفسَه... تصدير الأزمات، وتوظيف القوة بأشكالٍ متعددة وهو أشبهُ بنمطٍ متكاملٍ تُدار فيه السياسةُ الخارجيةُ بعقليةٍ استفزازية تعويضاً عن الخسارة، واتّخاذ الضَّغط وسيلةً لإعادة التوازن، في إصرارٍ على تصديرِ المنهجِ الثيوقراطي، ولهذا تميل طهرانُ إلى المخاطرة كلَّما شَعرت بالتَّراجع، وهو ما يفسّرُ جانباً من السُّلوك الإيرانيّ الراهن.

بعد أحداثِ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم تكن تحركاتُ طهرانَ مجردَ اصطفافٍ سياسي، بل بدت محاولةً واضحةً لتعويض خسارةٍ استراتيجية، ففقدان سوريا، وتراجع فاعلية «حزب الله»، دفعَا إيرانَ إلى توسيعِ استخدام أدواتِها من دعم الميليشيات، وإطلاقِ الصَّواريخ الجوالة، وتسريعِ البرنامج النووي، وهذا لم يكن تعبيراً عن قوةٍ مستقرة، بل عن ضغطٍ يتصاعد، وينعكس في قرارات أكثرَ خطورة، ليعملَ النّظام الإيراني وفقَ قاعدة «كلَّما شعرتَ بالخسارة فارفع مستوى المخاطرة».

الحربُ الدائرةُ اليومَ بين الولايات المتحدة وإسرائيلَ من جهة، وإيرانَ من جهة أخرى، تكشف هذا النَّمطَ بوضوح، فدولُ الخليج ليست طرفاً في هذا الصّراع والحرب، ومع ذلك تلقَّت أكثرَ من ستةِ آلافٍ ما بين طائراتٍ مسيّرة وصواريخَ باليستيةٍ وجوالة، هذا الواقعُ يطرح سؤالاً مهماً: إذا كانت إيرانُ استخدمتْ هذه الأدواتِ ضدَّ دولِ الخليج في هذه الحرب، فكيفَ سيكون سلوكُها لو امتلكت سلاحاً نووياً مثلاً؟ الحقيقة أنَّ التجربةَ القائمة لا تشير إلى اعتدال، بل الحقيقة تؤكد أنَّ المشكلةَ في النَّهج والتَّفكير الإيراني ذاتِه.

فالدولةُ التي تستخدمُ الصواريخَ والمسيّرات ضدَّ جيرانها والمنطقةِ بشكل عام، وتهدّد بإغلاقِ الممراتِ البحرية العالمية، وتفرضُ رسوماً ماليةً لمرور السفن هي دولةٌ تريدُ الهيمنة الكاملة ولا شيءَ غيرها، فما بالنا لو امتلكت سلاحاً نووياً؟! إذا حدثَ هذا فسيكون وسيلةَ ابتزاز لفرض إرادة سياسية على الإقليم بأسره لا سبيلَ لإيقافها، وسيكون تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي.

هذا ليسَ حديثاً مبالغاً فيه، بل قراءة للمشهد القائم حالياً، فالدولةُ التي توظف الجغرافيا لتهديدِ التّجارة العالمية، وتستهدفُ البنى المدنيةَ والمدنيين في دولِ الخليج والأردن وسوريا وشمالِ العراق، وتتعاملُ مع الإقليم بوصفه ساحةِ ضغطٍ وحربٍ مفتوحة، لا يُتوقع أن تتحوَّلَ فجأة إلى دولةٍ منضبطة لمجردِ امتلاكِها سلاحاً أكثرَ تدميراً.

ما تمارسُه إيرانُ اليوم يتجاوزُ سياسةَ النفوذِ إلى نموذج يقوم على تحويلِ الخَسارةِ إلى دافعٍ للمخاطرة، والضَّغطِ المستمر ضدَّ استقرار المنطقة، وهي بذلك تكرّس هذا النهجَ لدوامةٍ مفتوحةٍ من التصعيد، لتبقى المنطقةُ عرضةً لتداعياتِ قرارات تُبنى على الشُّعور بالخسارة، لا على حساباتِ الدولة.

السَّعيُ الإيرانيّ نحو السّلاحِ النووي ليس موجهاً للردع، بل هو محاولةٌ لترسيخ السيطرة، وفرضِ معادلةِ ابتزازٍ مستمرة، تقوم على إقناعِ القوى الكبرى بأنَّ تكلفةَ مواجهتِها ستكون أعلَى من احتمالِ احتوائها، ورفع سقفِ الثَّمن إلى حدٍّ لا يحتمل، لذلك فإنَّ أيَّ تسويةٍ محتملة بين الولايات المتحدة وإيرانَ والتي كثرَ الحديثُ عنها هذه الأيام، ينبغي ألا تكونَ بمعزلٍ عن دول الخليج، فهذه الدولُ لم تكن طرفاً في قرار الحرب، لكنَّها كانت أكثرَها تضرراً، أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً، لذلك من المهم أن تكونَ طرفاً في أي تسوية، فالحضور الخليجي في أي مسار تفاوضي ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة تفرضها تكلفة ما حدث وحجم ما تضرر، وعلى أميركا أن تتذكَّر ما حصل لها من مآزق منذ الهجوم على السفارة الأميركية وتفجيرها في بيروت إلى أحداث كثيرة دونها التاريخ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد