: آخر تحديث

المغامرون الجدد!

2
3
2

خالد بن حمد المالك

في السياسة، هناك مغامرون جُدد، يدفعهم الشعور بالقوة، كسابقيهم، وهم ليسوا كذلك، إلى ارتكاب أخطاء فادحة، وإلى الانزلاق في متاهات لا يحسنون عندئذٍ الرجوع إلى ما كانوا عليه، وهي أثمان باهظة تكلفهم مغامراتهم غير المحسوبة كثيراً، باعتبار أن نتائجها خسائر مدمرة.

* *

حين تغريه أمواله بالتدخل في شؤون الآخرين، فعليه أن ينتظر التدخل في شؤونه، وحين يقدّر انتصاره سلفاً بما يملكه من مال مُؤثر، عليه أن يتأكد بأنه ليس بالمال وحده تُحقق دولته مآربه ومؤامراته، وأنه بتصرفه هذا إنما يضعها في مأزق لا انفكاك منه.

* *

دُهاة السياسة، وأهل الخبرة، ومن يقيسون النتائج بمعطياتها، لا بالأحلام التي لا تصيب، هم من يتجنبون الاعتماد على المال وحده في فرض قوتهم، وبالتالي فلا يُقدمون على مغامرات سوف تكون نتائجها مؤلمة، وحتى لا يتعرضوا لكوارث جراء أخطاء تكلفهم كثيراً، ويصعب معالجتها.

* *

كم من القادة الذين أظهروا عنترياتهم، وبالغوا بتحدي غيرهم، وهدّدوا، وتوعدّوا، وتآمروا، وتدخلّوا في شؤون غيرهم، واستعرضوا قدراتهم وقواتهم، فإذا بتصرفاتهم تأخذهم إلى غياهب المجهول، فمتى يتعلّم المغامرون الجدد من تجارب أسلافهم، فلا يفكّرون باللجُوء إلى تصرّف أحمق، حتى لا يصيبهم ما أصاب من سبقوهم.

* *

في عالمنا العربي لنا تجارب كثيرة مع مغامرات لم نحصد منها سوى الدمار، والخراب، والتخلف، وضياع الحقوق، والعودة إلى الوراء سنين طويلة، وهدم ما بنيناه على مدى عقود، بل في قرون، بسبب مغامرة رئيس دولة، لم يحسن تقدير المآسي القادمة بفعل مغامرته، وإعطاء نفسه حق التصرف المتسرّع الذي ألحق بدولته ما ألحق بها من ضياع.

* *

ويل لشعوبنا من خطورة تصرف هؤلاء، ويلهم مما ينتظرهم مع كل خطوة مُتسرعة، ومغامرات لا حدود لها، لإظهار قوتهم، مع أنهم لا يملكون هذه القوة، بما لا ينبغي اندفاعهم نحو أعمال نتائجها مكلفة، وسياسات مضرّة، بإعطاء أنفسهم أكثر من حجمهم في إدارة الأزمات، عند تدخلهم في شؤون الدول الأخرى.

* *

حسناً، نحن نعرف هذا النوع من المغامرين، ونعرف كيف كان مصيرهم، مع كل مغامرة ساقتهم إلى نتائج ما حصدوه من خسائر، وها هو يتكرر الآن، دون أن يتعلم المغامرون الجدد من دروس أشباههم في الماضي، وتجارب من سبقوهم، فإذا بهم تتكرر أمام أنظارنا وسمعنا نفس التجارب السابقة، فلا نفع الأسلاف ندمهم، ولا استفاد الخلف من أفعال حماقة أولئك القادة، وكأنهم لم يطلّعوا على ملفاتهم.

* *

الفرصة متاحة اليوم، وقد لا تتاح في الغد للعودة إلى مراجعة هؤلاء لمواقفهم، وبُعدهم عمّا يزيد من جراحهم، أو يجعلهم في حالة قلق وخوف دائمين، فنتائج اندفاع المغامر الجديد تحديداً لن تكون في صالحه، وآن الأوان، ليكف عن مؤامراته، وتدخلاته، وشراء ذمم الناس بالمال القذر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد