: آخر تحديث

«ارفع.. حرك.. تلمس».. اليوغا عبر تطبيق «سهل»!

5
5
5

محمد ناصر العطوان

يا سادة يا كرام... في زمن العجائب الرقمية، وحيث أصبحت حياتنا كلها معلقة بخيط رفيع اسمه «تطبيق سهل»، يرن هاتفك بنغمة الإشعار المعهودة... تلك النغمة التي تجعل الكويتي يتحسس جيبه تلقائياً خوفاً من «مخالفة مرورية» غادرة، أو «قسط» نسيه.

فتحتُ الهاتف بقلب يرجف، وكانت الرسالة من (البنك المركزي)، ولكن بسبب «بركة» التكنولوجيا وخلل فني في شاشتي المتواضعة، لم يظهر من الرسالة إلا الكلمات الأولى، فجاءت كالتالي:

«ارفع... حرك... حرك... تلمس... واتصل بالخط الساخن!»

يا مؤمن، تسمرتُ في مكاني!

ما هذا؟ هل تحول التطبيق الحكومي فجأة إلى مدرب؟ هل هذه تعليمات «آيروبيك» إجبارية ضمن رؤية جديدة لرشاقة المواطنين؟ أم أن تطبيق «سهل» قرر أن يختبر مرونتنا الجسدية؟ بدأ عقلي يضرب أخماساً في أسداس، وبدأت أحلل هذه الأوامر:

أولاً: «ارفع»..

أرفع ماذا يا جماعة الخير؟

هل المطلوب أن «أرفع» يدي مستسلماً للغلاء المعيشي؟ أم أرفع ضغط زوجتي بشكواي المستمرة؟ ظننت لوهلة أن الرسالة تقول: «ارفع رجلك»... ربما لنتدرب على الركل، ركل الروتين، أو ركل التشاؤم!

ثانياً: «حرك... حرك»...

التكرار هنا أفزعني. «حرك» مرتين! هل هي دعوة للحركة أو التنفيس؟ أم هي دعوة للتحرك الفعلي من مكاني؟ طيب... أتحرك وين أروح ؟ الشوارع زحمة، و«الدائري الخامس» واقف، والمطلاع بعيدة.

ثم قلت لنفسي... لعلها رسالة مبطنة تقول: «حرك جيبك»... أو «حرك حسابك الراكد»... أو ربما هي نصيحة طبية لنتحرك قبل أن نتيبس من الجلوس خلف المكاتب بانتظار الترقية.

ثالثاً: «تلمس»...

وهنا، يا سادة، دخلت في نوبة ضحك هيستيري ممزوج بالخوف. «تلمس»؟!

تلمس ماذا يا رعاك الله؟

هل أتحسس «جيوبي» لأتأكد أنها فارغة تماماً قبل منتصف الشهر؟ أم أتحسس رأسي لأتأكد أن عقلي مازال في مكانه بعد التعامل مع بعض المدراء في الوزارات؟ الكلمة بدت لي وكأننا في فيلم رعب، أو كأن الوزارة المعنية تقول لنا «تلمس طريقك في الظلام... لأن الكهرباء ممكن تقطع في أي لحظة مع أحمال الصيف المقبل!».

وأخيراً: «اتصل بالخط الساخن»...

هذه هي القاضية... فبعد كل هذا الرفع والتحريك والتلمس، طبيعي أن نحتاج لخط ساخن... إما لطلب الإسعاف لأن «الديسك» ضرب في الظهر، أو لطلب «طبيب نفسي» يشرح لنا ماذا يحدث!

بعد دقائق من هذا «العصف الذهني» والسيناريوهات الكارثية التي دارت في مخيلتي، قررت أن أفتح الرسالة كاملة من جهاز آخر... وكانت المفاجأة!

الموضوع كله عن «العملة الورقية»!

البنك المركزي ينصحنا للتأكد من سلامة الدنانير: ارفع (لترى العلامة المائية)، حرك (لترى الخيط الأمني)، تلمس (البروز في الطباعة).

تنفست الصعداء... وضحكت بمرارة... وقلت ربما يوجد في السوق مجموعة من «الكاش» المزور.

يا بنكنا المركزي العزيز... يا حامي الدينار... تعليماتك على العين والرأس. ولكن، من منا لايزال يمسك «الكاش» بيده ليرفعه ويحركه ويتلمسه؟ نحن يا سادة أصبحنا جيل «الكي نت» و«آبل باي»... الراتب ينزل إلكترونياً، ويطير إلكترونياً في ثوانٍ، دون أن نتشرف بلمس الورقة أو شم رائحتها.

نحن نلمس شاشة الهاتف لندفع، ونحرك «أصابعنا» لنحول الأموال، ونرفع «أعيننا» للسماء ندعو الله الستر.

فيا ليتكم ترسلون لنا رسالة تعلمنا كيف:

«نرفع» مستوى دخلنا...

و«نحرك» عجلة التنمية...

و«نتلمس» طريقاً لمستقبل لا يعتمد على برميل النفط..

حينها فقط، لن نحتاج للاتصال بأي خط ساخن، لأن الأمور ستكون «سهالات».

أما الآن، فسأعود لتدريباتي: واحد، اثنين، ارفع، حرك... لعل وعسى تتسهل الأمور!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد