حين قال المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب، لم تكن التلفزيونات قد اخترعت بعد، وكقارئة عتيقة سأظل أتفق معه مدى الدهر وحتى يفنى البشر، لكن، هناك أوقات تتعسر فيها كل الأمور التي تحتاج إلى عقل، هناك أوقات مظلمة، حزينة، قاسية، لا تستطيع أن تنظر خلالها إلى كلمات مكتوبة، لا تريد أن يعمل عقلك بأي طريقة من الطرق، في هذه الأوقات تجلس على كنبتك المفضلة، أمام شاشة التلفزيون التي اخترتها كأكبر مقاس تستطيع غرفة جلوسك استيعابه، كوب الشاي أمامك، وعيناك معلقتان بمسلسلك المفضل، ربما كان مسلسلا تافها مليئا بأحداث تراجيدية سخيفة، لكنك تشاهده على أي حال، هو الوحيد الذي يفهمك الآن، هو الوحيد الذي يطبطب عليك ويلهيك عن أوجاعك.
لكن، لنتراجع قليلا عن القسوة على أنفسنا فيما يختص بالولع بالتفاهة، لأن ليس كل ما يقدم التلفزيون تفاهة، على العكس، التلفزيون ثقفنا، قدم لنا مسلسلات طورت من تفكيرنا، ثقفتنا، شرحت لنا السياسة، الاجتماع وحتى التاريخ. ليس عيبا أن نرتاح قليلا وسط كل ما يحدث حولنا لنشاهد كوميديا خارقة مثل أشغال شقة جدا. الذي لا يمكنك مشاهدته بدون أن تضحك بصوت عال، وتفكر كيف أن الكوميديا موهبة لا يستطيع أي كان امتلاكها ولا تزييفها، لا يمكن لثقيل دم أن يصنع كوميديا.
لو أردت أن أذكر كل المسلسلات التي أثرت في منذ الطفولة سيكون الأمر مستحيلا لأنني كبرت معها، منذ كانت مسلسلا وحيدا في اليوم يذاع بعد نشرة الأخبار في العاشرة مساء، وحتى اليوم، حيث أشاهد مسلسلا كاملا من خمس عشرة حلقة في يومين أو ثلاثة.
ليست كلها سواء، ليست كلها ماستر بيس، ليست كلها مصنوعة كي تغذي عقلك وثقافتك وفنك، لكن مع الخيارات الكثيفة والمنصات الكثيرة، صار بإمكانك أن تختار، تختار من بين التصنيفات المختلفة، ما الذي تنجذب إليه، أو الأبطال الذين تحب، وأحيانا نعرف اسم مخرج معين نحب ما يقدم، وأحيانا أقل نعرف اسم كاتب يشدنا ما يقدمه. التلفزيون خلق للترفيه، وأجمل المسلسلات هي تلك التي قدمت لنا الترفيه مع جرعة فكر، وهي كثيرة، حتى لو لم يدرك المتفرجون.
هناك مسلسلات تشبهنا، نحبها لأنها تشبهنا، تذكرنا بأنفسنا وبشخصيات تعيش حولنا، المديرة الحقودة والطفل المدلل، المغرور والكذاب، القائد وضعيف الشخصية، والأهم هي الأحداث التي نرى فيها كيف تتصرف هذه الشخصيات والتي تجعلنا ندرك أننا لسنا وحدنا من نعاني من هذه الفئات.
الهروب ليس سيئا دائماً، نحتاجه أحياناً، أهرب إلى التلفزيون في أوقات أشعر أنني لا أريد أن أتعامل مع الحياة، وأعود بعدها متجددة، أترك الكنبة وأواجه الحياة.

