محمد ناصر العطوان
يبدو أننا -معاشر الشعوب العاطفية- نعاني من حالة «انفصام» مزمنة، تجعلنا نقع في غرام «اللافتات» وننسى أن نتفحص البضاعة التي تحتها.
نحن قومٌ أدمنوا البلاغة، وتسكرهم الكلمة الحلوة، ويعتقدون جازمين أن «الشعار» إذا قيل بصوت جهوري وهزت له الرؤوس في الميادين، فقد تحقق وانتهى الأمر، ويمكننا أن نذهب إلى بيوتنا لننام قريري الأعين.
لكن التاريخ، ذلك المعلم «الرذيل» الذي لا يكف عن إعطائنا صفعات لعلنا نفيق، يخبرنا بحقيقة مرة كالعلقم وهي أن الثورات غالباً ما تفشل، تحديداً عندما تنجح شعاراتها نجاحاً ساحقاً.
كيف يحدث هذا «السحر الأسود»؟
الأمر ببساطة هو الفرق بين «قصيدة الغزل» و«عقد الزواج».
الشعار هو القصيدة؛ جميل، مطلق، حالم، يدغدغ المشاعر، ويعدك بقمر في يمينك وشمس في يسارك.
أما «المشروع»، فهو عقد الزواج؛ مليء بالالتزامات، والفواتير، ومصاريف السباكة، ورائحة البصل في المطبخ.
نحن ننجح بامتياز في تأليف القصيدة، لكننا نرسب بامتياز -مع مرتبة القرف- في إدارة المنزل.
خذ عندك مثلاً «الحرية» في ربيعنا العربي الماضي... بحّت الحناجر وهي تهتف للحرية، وكُتبت الكلمة على كل جدار، وانتصر الشعار؟ نعم، وبقوة. أصبح الجميع يتحدث عن الحرية. ولكن، هل تحولت هذه «الكلمة» إلى «مؤسسة»؟ اكتشفنا أن الحرية عندنا كانت تعني «الفوضى»، أو تعني «حرية أن تشتم خصمك»، أو في أحسن الأحوال حرية أن تحجز تذكرة ذهاب بلا عودة.
وانظر غرباً، نحو أميركا اللاتينية، حيث ارتفعت رايات «العدالة الاجتماعية» حتى حجبت الشمس.
عاش الرفاق هناك عقوداً وهم يهتفون بتوزيع الثروة، وانتصرت الشعارات ووصل أصحابها إلى الحكم... فماذا حدث؟ بدلاً من أن يوزعوا الثروة، وزعوا «الفقر» بالتساوي.
تحولت العدالة الاجتماعية إلى مساواة في البؤس، وتحول المناضل الذي كان يرتدي «الكاكي» في الغابة إلى ديكتاتور يرتدي «تريننج سوت»، ويخطب في الجماهير الجائعة عن مؤامرات الإمبريالية، بينما عملته المحلية لا تساوي ثمن الورق الذي طُبعت عليه.
أما الطامة الكبرى، فهي شعار «الكرامة»... يا لها من كلمة فخمة، تملأ الفم وتنعش الروح. ولكن، هل سأل أحدنا نفسه: كيف تُصنع الكرامة؟ هل الكرامة مجرد «نفخة كدابة» ورفع الرأس عالياً؟ أم أن الكرامة هي «اقتصاد» وإنتاج، وتعليم جيد، ومستشفى آدمي؟ رفعنا شعار الكرامة، لكننا نسينا أن الكرامة تحتاج إلى «جيب عمران»... فالشعوب التي تأكل من وراء حدودها، وتتدين لتدفع رواتب موظفيها، لا يمكن أن تشتري الكرامة ولو هتفت بها ليل نهار... لقد حولنا الكرامة إلى «شعار بلا اقتصاد»، والنتيجة أننا حصلنا على «كرامة المتسول» الذي يلعن المارة وهو يمد يده لهم... انتصرت كلمة «العدالة»، وهُزم مشروع «الرفاهية».
السؤال المركزي الذي يثقب الرأس هو هل الشعارات الثورية أقوى من قدرتها على التطبيق؟ الإجابة -للأسف- نعم.
الشعارات «مغوية»، سهلة، مجانية، ولا تحتاج إلى دراسات جدوى أو بيزنيز مودل... أي شخص يملك حنجرة قوية يمكنه أن يطلق شعاراً. أما «التطبيق»، فهو عملية مملة، شاقة، تحتاج إلى «تكنوقراط» لا «هتيفة ومطبلين»، وتحتاج إلى صبر لا حماس.
المشكلة أننا نعشق اللقطة، ونكره التفاصيل... نحب لحظة إسقاط الصنم، لكننا نكره لحظة رفع الأنقاض وبناء المسجد الجديد... لذلك، تظل الكلمات حية، تلمع في كتب التاريخ وعلى صفحات الفيسبوك والتيك توك ومنصة X، بينما يموت الفعل، وتتعفن المشاريع في مهدها.
والخلاصة يا صديقي الإنسان...
أننا لن نخرج من هذه الدوامة العبثية إلا عندما نتوقف عن التعامل مع الشعارات كأنها تعويذة سحرية تحل المشاكل بمجرد النطق بها... وعندما ندرك أن «الكرامة» هي مصنع يدور ومزرعة تنتج.
أما دون ذلك، فسنظل نصرخ في الوديان، وسيرتد إلينا الصدى... مجرد صدى، لا يسمن ولا يغني من جوع... مثل «النفيش».
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

