: آخر تحديث

مصير المعتزلة على منزلق السلطة

25
27
29
مواضيع ذات صلة

يتأرجح الانسان بين العلم والدين، وبين العقل والنفس، وبين اليقين والحدس، وهذا المزيج من الثنائيات هو الشاغل الابدي للإنسان، ولولاها لما كان الانسان سيد المخلوقات، ولا كان صاحب الحضارات، ولا كان محرض الفتن ومشعل الحروب، ولا كان مدعيًا بما ليس فيه وليس منه، ولا كان لاهثًا وراء الحق والباطل معًا، وهذا التناقض المتفاعل هو جوهر الانسان.. هكذا الانسان بجلال عقله الذي تتشابك فيه خيوط الفكر مع خيوط الحس والحدس و حزمة من تراكم خيوط الذاكرة. والتفاعل، بدرجات حرارة متفاوتة، بين الفكر والحس والحدس والذاكرة، يولد الذهن ويشكله في ذات كل فرد من البشر، وهذا الذهن هو الذي يميز كل إنسان عن أخيه الانسان، ولكل امرئ ذهنيته الخاصة التي تسبغ عليه شخصيته بين الناس، ويتولد من تفاعل الاذهان منتجات فكرية عديدة، بعضها متآلفة وبعضها متنافرة.

حياة الانسان على مسار الزمن تكون رتيبة، او أقرب الى الرتابة، وتدور الاذهان حول ما توارثتها من قيم وسنن وعقائد وأعراف اجتماعية، وتكون القفزات الفكرية اقرب الى الشح، إلا إذا حدث مستجد نوعي كبير يغير وجهة الانسان على مسار الزمن، ويصبح هذا المستجد محطة تاريخية تضاف الى بقية المحطات التاريخية السابقة، وقد تحطم المحطة الجديدة محطة سابقة او محطة قديمة.

في الجزيرة العربية، قبل الاسلام، كان المجتمع القبلي يعيش حياة رتيبة يتنعم بجمال الشعر ويعاني من تبادل الغزوات والحروب الطويلة بين أخوة مشتتين في تجمعات قبلية، وكانت القبائل تتباهى برجالاتها من فرسان و شعراء، وكان النتاج الفكري شحيحًا إلا ما كان يجود به الشعر من شذرات فكرية متفرقة أو بعضًا من الامثال والحكم، وكان العرف السائد هو مرجع الفكر والقيم. رسالة الاسلام كانت المستجد النوعي الكبير الذي غير وجهة الانسان على مسار الحياة وألهبت مشاعره وفتحت ابواب التفكير في ذهنه، خاصة وأن الرسالة جاءت متكاملة الاركان في مصحف يجمع بين دفتيه من الفكر والحكمة والتشريع والقيم الاخلاقية التي لم تعهدها ولم تعرفها الجزيرة العربية في كامل تاريخها الماضي. بعد الفتوحات الاسلامية، خارج الجزيرة العربية وانتشار رسالة الاسلام بين شعوب عديدة، نشطت اذهان كثيرة لدراسة القرآن الكريم وهو الدستور المقدس لرسالة الاسلام، ومقارنتها بكتب مقدسة سابقة ومدارس فكرية، وخاصة المدارس الفلسفية الاغريقية. تفاعلت الاذهان وأنتجت مدارس فكرية، تحت سماء ثقافة إسلامية، جديدة على نشاط الذهن وطبائع الفكر. اجتهدت الاذهان في تفسير الرسالة الجديدة، واثمرت تفاسير عديدة وأرفقت التفاسير بدراسات للسيرة النبوية، وكانت هذه التفاسير والسير النبوية باكورة الانطلاق الى استخلاص اجتهادات فقهية ومذهبية، ومن ثم أخذت الاذهان المهتمة بالشأن الفكري المتأثر بالفلسفة منحى آخر يوازي المذاهب الفقهية وأثمرت المدارس الكلامية، مثل الجبرية والقدرية والاشعرية والمعتزلة، وهذا المنحى الفلسفي أوجد خطًا موازيًا للخط المذهبي.

المدارس الكلامية، او الخط الفلسفي، أصبحت اليوم من الماضي وأضحت موادًا في دراسات أكاديمية تختص بالتاريخ والفلسفة، بينما الخط المذهبي، بتشعباته العديدة، استمر الى يومنا هذا بفضل الملكة الايمانية المحصنة ضد اختراقات النهج الفلسفي في التفكير، وهذا ما عبر عنه الامام الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة»، والذي ينتقد فيه الفكر الفلسفي الذي يستحيل عليه سبر غور الحقائق الروحانية. المدارس الكلامية، التي كانت تعتمد النهج الفلسفي، كانت تراعي الخصوصية الايمانية عند المذاهب الفقهية مما دعاها الى تلمس الحذر والحيطة في البعد الفلسفي، إلّا مدرسة واحدة وهي المعتزلة. المعتزلة فتحت بابًا فلسفيًا عصيًا على الادراك الحسي ويستحيل عليه أن يؤدي الى اليقين المحصن ضد الشك، عندما أثارت حساسية الايمان في صلب العقيدة والكتاب المقدس بقولها «خلق القرآن».

المعتزلة نظروا الى القرآن من منظار التاريخ بقولهم إن القرآن مخلوق، وهذا القول لم يزحزح ايمانهم بانه منزل من الله سبحانه وتعالى، والايمان بالتوحيد، ولكنهم كَفَّرُوا من لم يتفق معهم في قول عصي على الفهم، وخاصة من قبل المؤمنين الذين يحرمون على أنفسهم الدخول في جدل نظري وجدال فكري يرون فيه عبثًا يجب الحذر منه و تجنبه، بل ومحاربته. المعروف عن المعتزلة أن مساحة التحرر في أفكارها أوسع من بقية المدارس الكلامية، ولكن هذه المساحة تقلصت بعد أن تبنت السلطة السياسية النظريات الفكرية للمعتزلة، وباسلوب ينافي حرمة العقل. وكان الخليفة العباسي المأمون يتبنى هذه النظرة بذهنية المؤمن بها، وكان يعمل بقوة على جعلها نظرة تعم العالم الاسلامي، واستغل سلطته السياسية ومكانته كأمير للمؤمنين لفرض هذه القراءة التاريخية للقرآن على عموم المسلمين. هذه السلطة السياسية بتبنيها نظرية «خلق القرآن» ألحقت العار بنفسها والمعتزلة معًا، عندما سجنت واضطهدت وعذبت الإمام أحمد بن حنبل الذي وقف بقوة و صلابة ضد أوامر الخليفة المأمون، وضحى بنفسه من أجل ايمانه، وهذه التضحية رفعت من شانه ومكانته بين المسلمين وكانت موضع اعجاب من قبل المدارس الكلامية الاخرى، وكانت سببًا في المأساة التي لحقت بالمعتزلة بعد المأمون.

المعتزلة التي تؤمن بالعقل، عطلت العقل بقوة السلطة، ومع السلطة خرجت جماعة المعتزلة من فضاء تبادل الافكار والتعاطي الموضوعي مع النقد الى حيز فرض الفكر اعتمادًا على سلطة سياسية داعمة، وكان هذا منزلق خطير يناقض النهج العقلي الذي كانت تدعيه المعتزلة، وكان سببًا للحرب الشعواء ضدها بعد موت أميرها المأمون.

فرض رأي، او نظرية فكرية، على الناس ضرب من تأطير الفكر وتكبيله، ومن ثم منع هواء التنفس عنه، فتبقى النظرية الفكرية خارج فضاء التفكير، تتلوى حول نفسها بفعل سلطة تتبناها بعد أن تخرجها هذه السلطة من فضاء النظرية الى حدود اليقين الموازي لليقين العلمي او اليقين العقائدي (الايمان المطلق). هذا التأطير والتكبيل وفرض اليقين بإرادة السلطة على نظرية فكرية يعطل النظرية من التقدم الفكري في اتجاه الحقيقة، ومن ثم تحقق اليقين او المراوحة في الاطار النظري، وهكذا حال جميع النظريات الفلسفية.. من ينظر الى نظرية فلسفية نظرةً عقائدية فان نظرته تنافي المعنى الفلسفي للرأي والفكر وتعد اختراقًا لحرمة الذهنية الفلسفية الحقيقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد