ما هي الضرورات التنموية التي سيفرضها تقدم العلوم والتقانات في العقود المقبلة؟ لن يلتفت قطار الزمن إلى من آثروا النوم على رصيف العصر، أمّا أن يتوقف فمحال. الأخبار لم تعد رواية أخبار، غدت فجائع انهيار واندثار. أمس كانت الأنباء تتحدث عن أن قوّات الدعم السريع أسقطت طائرة لقوّات البرهان، وأن وحدات الدعم السريع تكبّدت خسائر كبيرة في بعض المواقع. لم يذكر التحرير الإعلامي أن الشعب هو المهزوم هو المظلوم، هو المنهوب هو المنكوب، يا ولدي. ظلّوا طوال ستين سنة يطبخون له حصى الانتقال الديمقراطي، فإذا به يرى في كل لحظة الانتقال إلى أعلى الأعالي.
هذا ليس استطراداً أو خروجاً عن الموضوع، فنحن في الثقب الأسود لهذا الطرح. المأساة بالمأساة تذكر. إذا أخذنا في الحسبان صغر المساحة وقلة عدد النفوس، فمن المحال العثور في البلدان العربية على بلد قدّم للثقافة العربية والإعلام والفنون، ما جاد به لبنان منذ القرن السابع عشر. هل هذه نهاية مناسبة في خاتمة مسيرته؟ لا ماء، لا غذاء، لا دواء، لا كهرباء، الدولار بمئة ألف ليرة، قصر بعبدا خاوٍ على رئاسته، ومجلس النواب لا ينوب نوّابه عن الشعب في شيء.
ذانك المثالان كافيان وافيان، أضف إليهما قائمة أخرى من البلدان ذات التنميات المتعثرة بدرجات متفاوتة، أسوأ أو أقلّ سوءاً. بأيّ إرادة وجرأة واستعداد لقبول التحديات، ستقتحم الشعوب العربية تضاريس المستقبل؟ ما لا تستطيع أدمغة أشقائنا استيعابه قبل فوت الأوان، هو أن طبيعة الزمن الآتي مختلفة تماماً عن الحقب الماضية. لقد صارت العلوم والتقانة موارد اقتصادية وأدوات إنتاج. لم يحدث في تاريخ البشرية أن أضحت البرمجيات والمعلوماتية، التي هي معلومات أو بيانات غير مادية، قادرة على إقامة إمبراطوريات اقتصادية عابرة للقارات.
الأسئلة المصيرية الحرجة: إلى كم من عقد يحتاج العراق لكي يعود إلى النقطة التي كان عندها قبل 2003؟ قد يتحقق ذلك سنة 2050. وماذا عن ليبيا وسوريا والسودان؟ لم يكن ثمّة أيّ داعٍ إلى الخوف من القدرة على اللحاق بالدول التي ذلّلت المستحيل، لولا الإدراك النكدي لضآلة شحنة البطاريات في الإرادة العربية لجل بلدان العرب، لضعف الإحساس بالزمن، وغياب التعلم من خيبات الماضي.
أليست الثقافة لدينا في حاجة إلى إعادة نظر في مفهومها ومنظومتها؟ الانهيارات العربية تضع مناهج التربية والتعليم، والثقافة وطرائق التفكير، جميعاً، في قفص الاتهام. بنجلاديش كانت أسوأ نموذج للفساد المالي والإداري. كيف هي اليوم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة المصيرية: في كل يوم سيزداد اللحاق صعوبة.

