يعد العائد الاقتصادي أحد أهم أسباب استضافة الفعاليات العالمية. هذه العوائد تبدأ منذ إعلان فوز البلد باستضافة الحدث وبدء الاستثمارات بأنواع من تطوير بنى تحتية، وارتقاء بالخدمات، وجذب للاستثمارات والخبرات، وامتداد الحدث نفسه والذي عادة ما يشهده ملايين الزوار وما يصاحب ذلك من أنشطة اقتصادية، حتى الوصول إلى ما بعد الحدث من انتعاش السياحة والتعرف على المدينة المستضيفة. ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي والحراك الثقافي الذي يصاحب هذا الحدث، والذي يسهم في معرفة الزوار على ثقافة البلد المستضيف، والأمثلة على آثار استضافة الإكسبو في الماضي لا تزال ظاهرة للعيان.
فاستضافة إشبيلية لمعرض سنة 1992 كان مثالا بيّناً لأثر الإكسبو على المدينة المستضيفة، فقد تمكنت العاصمة الأندلسية من حجز مكان لها على خريطة السياحة العالمية منذ ذلك العام. وفيما كان يتوقع أن تستضيف المدينة 36 مليون زائر، فاق الرقم الواقعي هذه التوقعات ليصل إلى 41 مليون زائر. والقارئ لما حدث في استضافة إشبيلية للإكسبو يجد تركيزا على المرافق التي أنشئت حينها ولم يتبق الآن إلا أطلال منها، ولكن المنافع الحقيقية لا تكمن في هذه المباني، بل في الطرق التي أنشئت ويستفاد منها حتى الآن، ومنها الطريق السريعة بين إشبيلية والعاصمة الإسبانية، التي تعد أول طريق فائقة السرعة في إسبانيا، وفي سكك الحديد التي أسست لربط المدينة بالمدن المجاورة، وفي الجسور التي مُدّت لربط مناطق المدينة ببعضها البعض، وفي المطار الذي أصبح يسع 4 ملايين مسافر سنويا. هذه المرافق لا تزال حتى الآن تستخدم وحوّلت إشبيلية إلى مدينة مختلفة تماما عمّا قبل الإكسبو.
وانتقالا إلى شنغهاي التي استضافت الإكسبو عام 2010، فقد صدرت عشرات الدراسات الأكاديمية التي أثبتت أثر الإكسبو في تغيير النظرة التقليدية للمدينة الصينية، والذي كان أحد أهم الأهداف الصينية للاستضافة. ذلك الحدث يعد تاريخيا وذلك بسبب عدد الزوار الذي تجاوز 70 مليون زائر وسلّط الأضواء على الصين في أحد أهم الأحداث العالمية التي استضافتها بعد انطلاقتها الاقتصادية، ليكون فرصة للعالم للتعرف على الصين بعد النقلة الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت فيها بانتشال نحو 700 مليون نسمة من تحت خط الفقر!
أما دبي فقد كانت النقطة المضيئة في ظلمة الجائحة، وتأخر معرضها لعام بسبب هذا الظرف، ومع ذلك فقد زار معرضها أكثر من 24 مليون زائر، في وقت حدّت فيه الظروف الصحية الكثير من المهتمين بالزيارة. وقد أنشأت دبي قرية كاملة للإكسبو في إنجاز يُحتفى به. وقد أظهر تقرير أصدرته شركة «إيرنست آند يانغ» أن استضافة دبي لهذا الحدث ستضيف نحو 155 مليار درهم للاقتصاد الإماراتي، وأن السواد الأعظم من هذه القيمة المضافة كانت لقطاع الخدمات.
واستضافة الإكسبو لا تخلو من منغصّات، لا سيما إذا كان أهل المدينة نفسها لا يرحبون بهذا الحدث، ومن أفضل من الأوربيين في البحث عن المنغّصات في فعاليات الأفراح؟ فقد شهد إكسبو ميلانو 2015 موجة مظاهرات صاحبت المعرض لأسباب منها عدم الموافقة على صرف المال العام على الاستضافة. كما أن المحتجين سخروا من التعارض بين شعار المعرض وهو «إطعام الكوكب، طاقة للحياة» والذي كان أحد أهدافه استعراض ثقافة المأكولات الإيطالية الشهيرة، وبين رعاية شركات الأطعمة الأميركية للمعرض ومنها «كوكاكولا» و«ماكدونالدز». وعلى الرغم من أن البريطانيين يفخرون أن الإكسبو بدأ من بلدهم، إلا صحيفة أن «الغارديان» البريطانية كتبت أن الإيطاليين لم يكونوا بحاجة إلى استضافة هذا الحدث للارتقاء بميلانو، بل كان يمكنهم تطوير المدينة دون كل هذا الضجيج والإسراف. ولا غرابة بعد ذلك ألا يزيد عدد زوار المعرض على 20 مليوناً، وهو رقم منخفض لمدينة تعد عاصمة الموضة وتقع في المرتبة الخامسة عشرة في المدن السياحية عالمياً.
إن العالم يترقب إعلان المدينة الفائزة باستضافة الإكسبو لعام 2030، والذي يتوقع أن يكون في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، ويعد الملف السعودي مرشحا قويا للفوز بالاستضافة، والمتأمل في مشاريع الإكسبو السابقة، يجد تشابها كبيرا بين توجهها وتوجه مدينة الرياض. فالعاصمة السعودية مستمرة في الارتقاء في بنيتها التحتية المادية والرقمية، ومسار مشاريعها يقودها إلى أن تكون إحدى أبرز العواصم العالمية، وقد كوّنت خلال الأعوام الماضية ثقافة وخبرة في استضافة الأحداث العالمية والسياحية، ولا شك أن هذه الخبرة ستتضاعف خلال الأيام القادمة، وهي ماضية إلى أن تكون عاصمة للمواهب والخبرات بشكل معلن. ويمكن القول إن الرياض تستعد منذ سنوات لتستضيف الإكسبو، قبل حتى أن تسعى لتقديم ملف الترشيح.

